الإثنين 27 سبتمبر 2021

استثمار 9 ثروات منجمية سيغيّر مستقبل الجزائر

تتمتع الجزائر بثروات منجمية ضخمة، لكنها لم ترق بحسب عموم الخبراء إلى مستوى الاستثمار الأمثل، في صورة 9 موارد حيوية لا تزال مقدّراتها غير معروفة بالكامل، ومن شأن تكثيف استغلالها أن يغيّر مستقبل الجزائر، على غرار: الفوسفات، الملح، الزنك، الذهب والماس، الفحم، اليورانيوم والغرانيت والذهب الذي بدأ التنقيب عنه يخرج من عنق الزجاجة. 

يؤكد الخبير محمد طاهر بوعروج حتمية التفات السلطات إلى تثمين أكبر للطاقات المنجمية الوطنية على غرار الفوسفات سيما في منطقتي بجاية وسطيف والملح ورصاص الزنك والنحاس والذهب والأحجار الكريمة (الألماس) في الجنوب.

ومن مجموع 2533 موقعًا منجميًا، تحصي مراجع رسمية مخالفات على مستوى خمسمائة موقع لم يدفع مستثمروها المستحقات المفروضة عليهم، وحسب معطيات قدمتها إدارة الوكالة الوطنية للجيولوجيا والمراقبة المنجمية فانّ المتعاملين الخواص هم الذين سجلوا أكبر نسبة من التجاوزات.

وتبدي السلطات اهتمامًا بتحويل الفوسفات بغرض إنتاج الأسمدة في إطار السياسة العمومية التي تهدف إلى تطوير القدرات المنجمية الوطنية بغرض الاستجابة إلى الحاجيات الوطنية والدولية، علمًا أنّ الحكومات المتعاقبة في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة تحدّثت كثيرًا عن تجديد المخزونات المنجمية المؤكدة وتعزيز جهود البحث على معادن جديدة والتطوير الواسع لبعض المواد الأولية مثل الفوسفات والتي تتوفر الجزائر على مخزونات هامة منها، إلاّ أنّ ذلك لم يتجسد إلى أفعال ملموسة.

استغلال مؤجل لليورانيوم

ظلّ استغلال كثير من المعادن المنجمية خلال الفترة المنقضية رهين إرجاء له أول وليس له آخر، كما هو حال اليورانيوم، وهو ما تعزوه الدوائر الرسمية إلى حاجة الجزائر إلى المزيد من الوقت لتحقيق النجاح على هذا الصعيد، وتكوين الموارد البشرية التي تعمل على تسيير المنشآت النووية، وهو ما استدعى بعث معهد العلوم للتكنولوجية النووية الذي يدرب حاليا عشرات الإطارات لتنفيذ البرنامج النووي الطويل المدى الذي سطرته الجزائر، وسوّغ الوزير هذه الرؤية بكون الطاقات البديلة ستصبح البديل الاستراتيجي للغاز والمحروقات.

وفي زمن الوزير الأول السابق أحمد أويحيى، جرى الإعلان عن بدء مخطط واسع لاستغلال احتياطي يربو عن 30 ألف طن من مادة اليورانيوم، لقاء 150 مليون دولار، في وقت لا يزال الوعاء الاحتياطي الإجمالي من اليورانيوم مجهولا.

وسبق لمسؤولين أن شدّدوا على أنّ الجزائر لن تستخدم اليورانيوم المخصّب المثير للجدل سوى في أغراض سلمية، بعدما سبق للجزائر أن أقامت مفاعلين نووين في الماضي، وزارتهما وفود عن المنظمة الدولية للطاقة الذرية، تباعا على مدار الأعوام الـ25 المنصرمة، وأوعز شكيب خليل الوزير السابق للطاقة والمناجم أنّ السلطات تعتزم الاعتماد على مادة اليورانيوم الحيوية في مضاعفة توليد وإنتاج الطاقة الكهربائية، داعيا المتعاملين الأجانب للاستثمار في هذا النوع المبتكر، من خلال مباشرة ومضات تشاركية مع المؤسسات الجزائرية، سيما بمنطقتي تمنراست وتندوف، حتى يتم ترقية حجم الإنتاج الحالي الذي لم يتعدّ بضع آلاف من الأطنان خلال السنوات القليلة الماضية، ومن شأن الارتقاء باستغلال اليورانيوم، أن تكون لها آثار إيجابية على دعم احتياطي الصرف الجزائري دخلها من العملة الصعبة، والتخلّص من شبح الاعتماد المفرط للبلد على البترول في شتى صادراته.

تأخرات كبيرة واستكشافات محدودة 

تعاني منظومة المناجم في الجزائر بشهادة المسؤولين والمتعاملين من تأخرات كبيرة، وسط محدودية التمويل والاستكشافات، وهو واقع اعترف به الوزير السابق للطاقة والمناجم يوسف يوسفي، واعتبره “خطيرًا” في صيف 2017، حيث شدّد على وجود أعطال مسجلة في مجال استغلال المجال المنجمي الوطني داعيًا إلى بذل مزيد من الجهود من أجل تدارك هذا التأخرات التي استمرت لأزيد من عقدين.

وتؤكد مراجع متخصصة للأيام أنّ إمكانيات الجزائر في المجال المنجمي لا يستهان بها، إلاّ أنها لازالت غير معروفة وعلى الرغم من الجهد المعتبر الذي تبذله الدولة فان تطوير هذه القدرات لا يزال جد محدود في الوقت الذي لم يتم بعد إعداد خريطة جيولوجية وطنية.

وأفيد أنّ قطاع المناجم يشكو من إشكالية الموارد البشرية سيما منها التكوين واستعمال التكنولوجيات الحديثة وضعف مستوى الاستثمار في تجديد التجهيزات والمنشآت علاوة على إنتاج لا يلبي احتياجات السوق الوطنية معتبرا انه من “غير المعقول” أن تكون نسبة 75 % من الاحتياجات الوطنية مستوردة على الرغم من الاحتياطات الهامة التي تزخر بها الجزائر.

وأقرّ يوسفي زمن استوزاره، بعدم رضاه عن أداء مهام مراقبة وتسيير المجال المنجمي من قبل شرطة المناجم التابعة للوكالة الوطنية للجيولوجيا والمراقبة المنجمية، ويتعلق الأمر بتسيير المواقع المتوقفة وعدم تسديد مختلف المستحقات وتطبيق القانون في مجال حماية البيئة داعيا مصالح شرطة المناجم إلى إبداء مزيد من “الصرامة في تطبيق القانون”.

حزمة إجراءات ولكن.. 

تراهن الحكومة خلال العامين القادمين على فتح مناجم جديدة واستغلالها منها مناجم الرصاص والزنك في كل من سطيف وباتنة وبجاية وبشار والذهب في تمنراست، إلى جانب مضاعفة انتاج الرخام وتثمين الملح في الأسواق الدولية. 

وسيتّم أيضًا إعطاء الأولوية لتجسيد مشاريع إضافية لتحويل الفوسفات في كل من تبسة وسوق أهراس لتعزيز النهوض بمنظومة المناجم والتعدين، أعوام بعد استحداث “مناجم الجزائر” التي حُوّلت إليها أصول المؤسسات العمومية الخمس التي تنشط حاليا في مجال المناجم.

بيد أنّ خبراء تحدثوا للأيام، يرون هذه التدابير غير كافية، ويقترحون إعادة تأهيل شامل وإقرار تمويلات بجانب توسيع رقعة الاستكشافات المنجمية للنهوض بثروة هائلة من المعادن لا تزال تنتظر التثمين.

ويسجل الخبير “سعيد حاوشين” أنّ استحداث “مناجم الجزائر” أمر إيجابي على صعيد تكثيف التنقيب عن الثروات المنجمية المحلية كاليورانيوم والفوسفور والرصاص والزنك والذهب والفلورين وغيرها، وما يترتب عن ذلك من الاسهام بقوة في توفير مناصب عمل ورفع نسبة الصادرات خارج المحروقات. 

لكن حاوشين يذهب إلى أنّ الخطوة مبتورة، ويجزم أنّ دفع عجلة الاستثمار المنجمي مرهونة بإعادة تأهيل المناجم والمقالع وتطوير البنى التحتية وافتتاح مناجم جديدة، لاستغلال احتياطات ضخمة من المعادن على غرار الحديد والفوسفات (بليوني طن) إضافة إلى النحاس، لكنها غير مستغلة بسبب محدودية الاستثمارات (لم تتجاوز 2.2 مليون طن) رغم أنّ النتائج مضمونة ومجدية اقتصاديا.

بهذا الشأن، يقترح حاوشين تحفيز المستثمرين بشكل أكبر من خلال تحرير تمويل الاستكشافات المنجمية، خصوصا في ظلّ الصعوبات التي يواجهها متعاملون محليون في التنقيب عن الذهب والألماس والألومنيوم، ما أفرز تراجعا لإيرادات القطاع بثلاث مرات خلال العام الأخير، بما سيمكن من استغلال 250 موقعًا منجميًا بينها 33 موقعًا للحديد.

ورغم كل التطمينات الرسمية بكون الإنتاج المحلي يشهد نقلة نوعية، لا سيما بعد الإعلان عن رصد مخصصات بقيمة 780 مليون دولار لإنعاش المصانع العمومية ودفع استثماراتها، إلاّ أنّ “جمال عزوق” ينفي ذلك ٍرأسا، ويذهب إلى أنّ اعتماد قانون المناجم العام 2000، وإرفاقه بمنح 490 امتيازا للتنقيب عن المعادن وتطبيق إعفاءات ضريبية لصالح المتعاملين، لم يفض إلى نتائج إيجابية.

ولا يمكن – بمنظور عزوق – اختزال التراجعات في تأثيرات ظرفية، بل في عدم اعتماد خطة بعيدة المدى، وذهنية “الإهمال”، على حد تعبيره، مبرزا عدم فاعلية استكشاف الرصيد الهائل من المعادن الجيولوجية، الجيو- فيزيائية والجيو- كميائية.

ويشير خبراء إلى أنّ التنقيب عن الأحجار الكريمة (الماس) مكلّف جدا ماليا – يفوق المليار دولار – كما أنّه يستغرق وقتا طويلا، بما يفرض فتح مجال الاستثمارات الكبيرة على مصراعيها خصوصا مع نجاح شركات خاصة في خلق 17 ألف فرصة عمل عبر عموم المناجم والمقالع، وخطوة كهذه من شأنها تعبيد الطريق أمام استغلال احتياطات منجمية هائلة بالجنوب لا سيما بولايتي بشار وتمنراست، وتصنيع حمض الكبريت على درب توسيع صناعة الأسمدة الفوسفاتية والصناعة المنجمية ككل، بشكل يجعل منها فاعلا أساسيا في الاقتصاد المحلي وتخليصه من شبح الاعتماد المفرط على النفط.

تعجيل تغيير طريقة عمل الاقتصاد الوطني 

شدّد الوزير المنتدب السابق للاستشراف محمد شريف بلميهوب، على وجوب إحداث تغيير سريع في طريقة عمل الاقتصاد، مشدّدًا على ضرورة أن يكون المخطط الجديد للإنعاش الاقتصادي، “قائمًا على مقاربة جد براغماتية” على نحو ينتج آثارًا مباشرة على حياة المواطنين والمؤسسات.


وفي حديث بثته القناة الثالثة للإذاعة الوطنية، ألّح بلميهوب على وجوب اتخاذ إجراءات ستكون لها آثار فورية على الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين والمؤسسات الاقتصادية.


وتابع: “لا بدّ من مسعى بيداغوجي شامل يجمع المتعاملين الاقتصاديين والشركاء الاجتماعيين والخبراء والمؤسسات من أجل إخراج الجزائر من فترة الجمود الطويلة وإهدار الموارد”، وأكد بلميهوب: “الجزائر مرّت بثلاث أزمات تراكمية، بداية من أزمة النفط لعام 2014 التي تميّزت بالانخفاض المفاجئ لسعر للمحروقات، الأمر الذي “أظهر مرة أخرى أنّ اقتصادنا المعتمد بقوة على المحروقات، لا يتمتع بالقوة”.


وجاءت أزمة النفط لسنة 2019، مصحوبة بأزمة فيروس كورونا الصحية “التي جاءت لتحدث اضطرابا كليا في النظام الاقتصادي الوطني”.


واعتبر بلميهوب: “الوقت حان للعمل والبلد ليس لديه الوقت حتى لإجراء التشخيص”، مضيفًا: “يجب أن نتحرك بسرعة من خلال تغيير طريقة عمل الاقتصاد”، لأنّ الأمر يتعلق، -كما قال- بـ”أزمة شاملة”، وأضاف: “سنتناول مع المشاركين في الورشة، جميع الجوانب المؤسساتية مثل المسائل القانونية ومناخ الأعمال وكذلك المنافسة في الأسواق”، مشيرًا إلى أنّ هناك الكثير من عوامل الانسداد في الاستثمار التي يجب إزالتها.


ويرى المتحدث ذاته أنّ “أعداء” الاستثمار المنتج هي “البيروقراطية والفساد”، وحثّ على محاربتهما بالشفافية والرقمنة، كما أوصى بضرورة “تبسيط الإجراءات الإدارية وإضفاء الشفافية على القرارات اقتصادية والاستثمارية”.


وأشار بلميهوب إلى أنّ من شان المخطط الجديد للإنعاش أن يسمح بتحول شامل للاقتصاد الوطني من خلال إخراج الجزائر من اعتمادها الكبير على المحروقات وإنشاء اقتصاد تنافسي متنوع يفتح الطريق نحو التجارة الدولية.

تمويل الاقتصاد بـأموال حسابات التخصيص 
فيما يتعلق بنقص الموارد لتمويل المشاريع الاقتصادية لهذا المخطط، أشار بلميهوب إلى التوجيهات الصارمة لرئيس الجمهورية لإيجاد موارد أخرى غير المحرقات دون اللجوء إلى المؤسسات المالية الدولية، وأبرز الإمكانات التي لا تقدر بثمن لقطاعات المناجم والكيمياء الصيدلانية والزراعة الصحراوية التي يمكن للبلاد من خلالها تنويع اقتصادها وتمويل استثماراتها.


وأكّد الوزير أنّ “الدولة ليست مفلسة”، وأنّ هناك موارد مالية لم تستخدم حتى الآن، والتي يجب استغلالها لصالح الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى الميزانيات المخصصة لقطاعات معينة ولكن لم يتم استخدامها، مضيفًا أنّه يمكن اليوم استخدام هذه الأموال الموجودة في “حسابات التخصيص الخاص، من أجل تمويل الاقتصاد”.


وذكر بلميهوب أنّ هناك وسائل أخرى لتمويل الاقتصاد، مثل منتجات التمويل الإسلامي المطروحة في السوق المالية، والتي “تمكّن من جلب الأموال المتداولة خارج الدائرة المصرفية”.


وشدد الوزير في ذات السياق، على فائدة الجزائر من الانفتاح على الاستثمار الأجنبي من خلال تشجيع الشركات الأجنبية على الاستثمار بأموالها الخاصة.

الأيام : كامـل الشيرازي 

شاهد أيضاً

وصول بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مراكش

وصلت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الاثنين، إلى مدينة مراكش المغربية، لخوض المباراة المرتقبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *