الأربعاء 20 أكتوبر 2021

“البقرة الباكية”.. رأس حربة السياحة الصحراوية

ظلّ الموقع الشهير “جدارية البقرة الباكية” (2300 كلم جنوبي الجزائر)، يستقطب ما لا يقلّ عن أربعة آلاف سائح سنويًا، ويركّز عموم المتابعين في تصريحات خاصة بـ “الأيام” على أنّ الموقع المذكور بوسعه أن يكون رأس حربة السياحة الصحراوية وتصنيع استثناء الفرح في بلد يعاني جرّاء الركود المزمن للمنظومة السياحية الوطنية.

يقول أُصلاء منطقة جانت الجنوبية الواسعة الدور، إنّ جدارية البقرة الباكية تشكّل واجهة/مسقاة سلسلة الطاسيلي الشهيرة التي يربو عمرها عن خمسة آلاف عام، وتُبرز الصخرة قطيعًا من البقرات الظامئات اللائي يحاولن الارتواء من ينبوع جاف امتلأ بالطين، وتردّد الأسطورة أنّ إحدى هذه البقرات ذرفت دموعا حزنا على حرمانها من الماء، فحملت الصخرة اسم البقرة الباكية.      

ويسجل “عبد القادر با محمد” مسيّر موقع “البقرة الباكية” أنّ المكان يحكي فصولا مثيرة من ذاكرة القحط الذي زحف على المنطقة منذ زمن بعيد، بعدما ظلت عنوانا لانحدار مياه عذبة بقيت تخترق صخورها لتركد في بركة صغيرة قرب سفح، جعلها السكان المحليين قبلة لسدّ ظمأهم والاستمتاع بمشهدي الشروق والغروب الفريدان.

وعبر كتلة لا متناهية من الرسوم والنقوش، يستقرئ زوار البقرة الباكية لوحات تئن في صمت، مستعيدة تراجيديا جفاف الجداول والوديان وتهاوي الأشجار وتفاقم التصحر، وما فعله أبناء المنطقة وهم الرجال الزرق (الطوارق) الذين تفنّنوا في تحدي مصاعب الحياة منذ قديم الزمان، وحوّلوا الصحراء إلى متحف فريد.   

وبحكم تشكيلها علامة مميّزة في سماء منطقة جانت، فإنّ الأخيرة كانت تستهوي – قبل جائحة كوفيد 19 – أعداد كبيرة من السياح الأجانب والجزائريين في حركة نشطة لمن ظلوا يتحملون مشاق السفر من مدن بعيدة من أجل معانقة فضاء جانت المغري، سيما في موسمي الخريف والشتاء، ووسط جماليات هذه المنطقة الساحرة، لطالما أحيا هؤلاء السياح ليالي بيضاء تحت ضوء القمر في أكثر من موقع طبيعي بمدينة جانت الآسرة.

وأفاد فريق من أبناء جانت أنّ الوافدين في مرحلة ما قبل وباء كورونا، ظلّت تستهويهم تلك المسالك الوعرة على طول مناطق صحراوية نائية تنفرد بتباعد المسافات والتضاريس الوعرة، وهي خصائص تضاف إلى متعة ركوب ظهور الجمال وإشباع نهمهم من المناظر الطبيعية الخلابة حيث الرمال الذهبية والصخور المنقوشة التي تعود إلى آلاف السنين.

وينظر مسؤولو القطاع السياحي لتفعيل “البقرة الباكية” أنّها مقدمة لاستعادة السياحة الصحراوية وهجها المفقود، خصوصًا مع الحيوية التي تتمتع بها حاليًا عديد المرافق كالفنادق والمحلات ومكاتب وكالات الأسفار السياحية بالمنطقة، وهو ما جعل الصناعات التقليدية هناك تنتعش، سيما مع تهافت السياح على منتجات حرفية نفيسة تعكس حضارة وعراقة الرجال الزرق.

ويُراد لهذا الموقع أن يصبح “رأس حربة” السياحة وقوتها الضاربة في الجزائر، على حد وصف الخبير “بلقاسم حموش” الذي ينوّه بتموقع البقرة الباكية وسط فسيفساء طبيعية تستثير السياح في ثاني صحراء عالميا وراء ايطاليا، تبعا لما تكتنزه من تراث أثري يتوزع على سبعة مواقع كبرى، على نحو يجعلها تتبوأ مركزا هاما في منظومة السياحة بشقيها البيئي والصحراوي.

إلى ذلك، تحيل النقوش الحجرية في محيط البقرة الباكية على مجموعة متكاملة من الحيوانات والطيور والزواحف والحشرات النادرة التي استوطنت المكان، ويشير المتخصص “كمال دادي” إلى أنّ الأمر يتعلق على نحو خاص بحيوانات من فصيلة الثدييات، وأسهم انحلال الغطاء النباتي بجانب قلة الأمطار وحالة الجفاف المزمن الذي ضرب المنطقة في انقراض أو هجرة كثير من هذه الحيوانات والطيور، بينما ظلت أخرى تقاوم.

عقبات تكبّل السياحة الصحراوية

يحصي متعاملون وخبراء، ما لا يقل عن 11 عقبة تعيق النهوض بالفعل السياحي في صحراء الجزائر، ويبرز مشتغلون على ملف السياحة بالجزائر، ما لا يقل عن 202 موقع سياحي مهمش في وقت تراهن السلطات على دفع القطاع وتحقيق قيمة مضافة معتبرة خارج المحروقات.

وظلت أسئلة عديدة تطرح بشأن قدرة القاطرة السياحية الصحراوية على صنع الفوارق، بعدما أقرت الحكومات المتعاقبة خططًا عديدة في العشريتين الأخيرتين لتفعيل حراك السياحة الداخلية واستقطاب السياح الأجانب، في ظل استمرار غياب نوعية الخدمات وعدد الهياكل والكم المرهق من المشكلات البيروقراطية.

بهذا الشأن، يذهب كوكبة من المسؤولين والمتعاملين إلى ضرورة إرساء تقاليد جديدة تمكّن الجزائر من تدارك تأخرها في المجال السياحي، ويشير المتعامل “بشير عبعوب” إلى بقاء إحدى عشرة عقبة تحول دون تحقيق القفزة المرجوة، وسط الوضع المزري لعدة مواقع وهياكل استقبال، وتواصل إبقاء 202 منبع حموي خارج دائرة الاستثمار، في بلد يملك أكثر من 260 وجهة سياحية.

ويرى “رمضاني” بحتمية تشجيع الرحلات المباشرة، وحث المتعاملين على الاستثمار في جانب النقل السياحي، استغلال المواعيد التقليدية الجنوبية (أعياد الربيع والسبيبة والألف قبة وقبة)، مع الحرص على ضمان احترافية التأطير السياحي، والتركيز على إعادة بعث نظام التكوين.

أربعة مفاتيح لا تزال غائبة

يؤكد مختصو الشأن السياحي في الجزائر، أنّ تطوير البنى التحتية، تحسين الخدمات، رسكلة المرشدين السياحيين إضافة إلى الترويج والدعاية، تعدّ أربعة مفاتيح أساسية كفيل بضمان إقلاع القاطرة السياحية الوطنية وإعادة الروح إلى كنوزها البيئية والصحراوية والحموية والجبلية والثقافية والدينية التي لا تزال تعاني في الظلّ.

ويقرّ “عبد القادر با محمد” مسؤول موقع البقرة الباكية بجانت، بعدم التموقع الجيد للمنظومة السياحية، رغم أهميتها كقطاع منتج للثروات، مشيرا إلى أن السياحة لا تزال تعاني من هياكل متآكلة وغير مؤهلة بالقدر الكافي، رغم توافر الجزائر على بيئة مهيأة وما تنطبع به من زخم ومقومات التنوع البيولوجي.

حصيلة هزيلة

يعتبر “بشير كاديك” المختص في السياحة، أن حصيلة قطاع السياحة هزيلة، مبرزا نموذج بوابة الصحراء بسكرة المتميزة بطابعها الزراعي الرعوي التي لا تزال على الهامش، رغم كونها أن تلعب دورا فارقا في السياحة بضروبها الصحراوية والبيئية والحموية والدينية، اعتبارا لامتلاكها عدة معالم وآثار، ويُرجع كاديك ذلك إلى غياب فعل جدي من طرف المتعاملين ووكالات الأسفار، ويركّز مشتغلون في الميدان، على حاجة القطاع إلى بناء سليم وحيوية دائمة، بما يجعل السياحة نشاطا اقتصاديا حيويا يمنح موارد هامة ويوفر مناصب شغل.

تقاليد الستينات والسبعينات

أشار “كمال فتيش” مسير وكالة سياحية خاصة، إلى ضرورة إحياء تقاليد الفترة الذهبية ما بين سنتي 1962 و1974، حين كانت الجزائر ممثّلة بفروع في الخارج اعتنت آنذاك باستقطاب السياح على غرار ما كان في ألمانيا، سويسرا، ويعزو “فتيش” الهزال الحاصل على مدار سنين طويلة إلى مخلفات إخضاع قطاع السياحة إلى إعادة هيكلة في الثمانينيات وما ترتب عن ذلك من عدم استقرار زاده حدة ما حدث خلال تسعينات القرن الماضي من تدهور الوضع الأمني وعزوف السياح عن القدوم إلى الجزائر.

وفي نسق مستقبلي، يرى “فتيش” بأهمية إنعاش الفعل السياحي من خلال الاستجابة إلى المعايير الدولية، وإعادة بعث سياسة تكوين المرشدين السياحيين، ودفع مخطط النوعية السياحية لترقية خدمات الهياكل الفندقية والسياحية عموما، ومخطط التوجيه والاتصال والتسويق السياحي.

ويلفت الخبير “عبد الكريم رمضاني” إلى التباينات التي تطبع السياحة بالجزائر، بجانب اقتصار السياحة الصحراوية على الطاسيلي أهقار والطاسيلي ناجر، بينما غرب الصحراء كمناطق الساورة، توات قورارة، تاغيت، واحات الوادي، تقرت، الأغواط، بسكرة، بوسعادة لا تزال محرومة من أي إقبال سياحي.

الأيام : كامل الشيرازي

شاهد أيضاً

الوزير الأول: نجاح الاصلاحات مرهون بنوعية المنظومة الاحصائية

أبرز الوزير الأول, وزير المالية, أيمن بن عبد الرحمان, اليوم الأربعاء بالجزائر العاصمة, أهمية تطوير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *