الأربعاء 20 أكتوبر 2021
اعترافات مجرب حب

الروائية «ناهد بوخالفة» تضع الضمير الاستعماري أمام حقيقته البشعة

في روايتها الجديدة – «اعترافات مجرم حب» الصادرة حديثا في 160 صفحة ـ عن دار «كالاما» للنشر والتوزيع – تناولت الكاتبة الجزائرية «ناهد بوخالفة» أحد أوجه التاريخ الاستعماري من خلال سردها لقصة جندي فرنسي دفعت به الأقدار أن يكون ضمن جيش الاحتلال حيث يعايش ـ على أرض الواقع ـ أعمالا وحشية استهدفت أهالي مدينة «تبسة» ـ ويعايش لاحقا آلام الذاكرة.

وتعدّ رواية «اعترافات مجرم حب» العمل السردي الثالث في رصيد الكاتبة «ناهد بوخالفة» ـ بعد «رسائل أنثى» (2015) و«سيران: وجهة رجل متفائل» المتوجة في عام صدورها (2018) ـ بجائزة أفضل رواية باللغة العربية ضمن المسابقة الأدبية التي تحمل اسم الكاتبة الراحلة «آسيا جبار» ويتم تنظيمها منذ 2015.

وقد جاء هذا الإصدار ـ لـ«بوخالفة» المولودة عام 1983 بمدينة تبسة ـ في وقت يتميز بحوارات ونقاشات ساخنة تثار باستمرار ـ حول ملف “الذاكرة الاستعمارية” ـ ليس في الجزائر فحسب – بل في أوساط النخب الباريسية أيضا، وذلك بعد أن نشر المؤرخ الفرنسي بنجامين ستورا ـ مؤخرا ـ تقريره حول الاستعمار وحرب التحرير الوطنية.

إدانة الذات..

وتناولت «بوخالفة في روايتها» أحداثا “واقعية” شهدتها مدينة تبسة خلال حرب التحرير الكبرى، لكن، في فترة زمنية محدودة (1957 – 1958)، من خلال استحضارها لشخصية جندي فرنسي شارك في الحرب ولم يكن راضيا عن وضعه هناك، لكنّ الأقدار رمت به في قلب أحداث دامية تنتهي مشاهدها المرعبة بأن يكون ـ هو ذاته فيها ـ سببا مباشرا في مقتل مواطنين جزائريين أبرياء، لتلازمه بعد ذلك أزمة نفسية حادة تجبره على إدانة ذاته.

وتتطور حالة هذا الجندي ـ الحامل في ذاته صفة المجرم ـ بأن يسترجع يومياته الماضية وذكريات الطفولة التي تشكلت عبرها شخصيته، ويحاول جاهدا إيجاد أسباب ذاتية تساعده على التملص من آلامه الداخلية ومعالجة شعوره الحاد بتأنيب الضمير، لكنه يفشل تماما فينهار ويتخذ بعد ذلك قرارا حاسما لإنهاء مأساته.

لقد صورت «بوخالفة» في معظم أجزاء هذه الرواية وحشية الاستعمار الفرنسي والاضطهاد الذي مارسه ضد الجزائريين، فضلا عن كفاح الأهالي ونضالهم المستميت هناك بالرغم من شح الوسائل، كما استوحت ـ في سياق سردها ـ على لسان الجندي الفرنسي فيليب ـ بعض المشاهد المؤثرة من قصص واقعية انتهت باستشهاد أبطال وبطلات بنيران “العدو” ـ أو عبر محاكمات ظالمة ـ لكن دون أن تذكر ـ الكاتبة ـ الأسماء الحقيقية لهؤلاء، وقد عللت ذلك بقولها : “إن ذكر اسم واحد يتطلب مني تأليف رواية كاملة”، وأضافت: “لم أشأ أن أظلم التاريخ بالدخول في تفاصيل لا تخدم السياق العام للنص”.

ومن بين القصص التي ضمنتها بوخالفة في روايتها «اعترافات مجرم حب»، قصة استشهاد الجزائرية «بن جدة مهنية» والتي يطلق عليها المؤرخون ـ لقب «البطلة العذراء»، وهي من مواليد بلدية «الماء الأبيض» بولاية تبسة وقد تعرضت ـ مع رفيقتها الشهيدة «عائشة» ـ لأبشع أنواع التعذيب لمدة 8 أيام على يد ضباط فرنسيين وهي لا تتجاوز 17 عاما وكان ذلك عام 1958.

عار الحقبة الاستعمارية..

يذكر أن رواية «اعترافات مجرم حب»، حاضرة بجناح «كلاما» للنشر والتوزيع ضمن الطبعة الأولى لصالون الكتاب في قصر المعارض بالعاصمة، والتي افتتحت فعالياته صباح يوم الخميس 11 مارس ويمتد إلى غاية يوم 20 من الشهر ذاته، حيث من المتوقع أن يُسلط الضوء ـ ولو إعلاميا ـ على هذا الإصدار الذي جاء بالتزامن مع اعتراف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ـ نيابة عن فرنسا ـ بتعذيب واغتيال الشهيد الجزائري «علي بومنجل» على يد جيش الاحتلال يوم 23 مارس 1957.

وكان قصر الإيليزيه قد أعلن ـ أن ماكرون استقبل أحفاد المناضل الجزائري علي بومنجل في باريس واعترف لهم بأن فرنسا قتلت جدهم وعذبته، خلال حرب التحرير الجزائرية، وأنه لم ينتحر كما حاولت باريس التغطية على الجريمة في حينها، وقال الإليزيه إن ماكرون أدلى بنفسه بهذا الاعتراف “باسم فرنسا” وأمام أحفاد بومنجل الذين استقبلهم الثلاثاء 3 مارس 2021.

وقالت الكاتبة بوخالفة ـ في تصريح لها إن “الرئيس ماكرون يريد أن يتميز بمشروع المصالحة مع الأرشيف المخزي لفرنسا… هذا قد يحيطه بهالة من المثالية أمام المجتمع الدولي” وأضافت: “ربما لن يشعر (الرئيس الفرنسي) عبر اعترافاته المتوالية، في قرارة نفسه بالندم إزاء ما فعله أسلافه والذين أدانهم ـ عبر اعترافاته المؤلمة ـ بطل روايتي “فيليب” الذي حاول حسم أمره بالانتحار إلا أن الأقدار اختارت له مسارا آخر.. فعاش ليعترف…”.

الأيام الجزائرية: علي مغازي

شاهد أيضاً

آلة الإمزاد

عازفة الإمزاد «حميدو تنفانة» رمز للانتماء الثقافي

عازفة الإمزاد، حميدو تنفانة، مشهورة بمنطقة الأهقار وتحسب من النساء اللائي انخرطن في مساعي حماية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *