الإثنين 27 سبتمبر 2021
انفجار مرفأ بيروت لبنان

بعد عام من التحقيقات.. كارثة “مرفأ بيروت”.. انفجار عادٍ أم تفجير مُدبّر ؟!

بعد أيام قليلة من تفجير مرفأ بيروت أو انفجاره، وتحديداً يوم 7 أوت 2020، صرّح الرئيس اللبناني ميشال عون أنّ التحقيق سيجري في كل الاتجاهات، بما فيه إن كان انفجاراً سببه الإهمال أو تفجيراً بأيادٍ خارجية، ولم يستبعد فرضية الصاروخ، هذا ما نقلته عنه وسائل إعلام عربية و”إسرائيلية” وباللغة العبرية أيضاً. 

لكنّ المتابع للتحقيق، لبنانياً كان أو أجنبياً، يلاحظ أنَّه لم يتطرّق نهائياً إلى احتمال التفجير من قبل عامل خارجيّ، وإنّما تمحور كلّه حول الفساد والإهمال الذاتي، هذا الإهمال والفساد لا يستطيع أن ينكرهما أحد، ولكنّ مسؤولية الفاسدين والمهملين لا تنفي فرضية الصاروخ، في حين أنّ الإهمال والفساد يشكّلان أرضاً خصبة للعامل الخارجي، صاحب المصلحة في تفجير المرفأ، حتى من دون أن يكون للطرف اللبناني الفاسد أو المهمل أيّ معرفة أو مساهمة مقصودة، ولو قليلاً، في ذلك.

قد لا يستطيع المحقّق أن يصل إلى الحقيقة الكاملة المدعومة بالدليل أو الدلائل القاطعة، وخصوصاً إذا ما تمحور التحقيق حول الفساد والإهمال وابتعد عن البحث عن الفاعل المباشر، إذا كان خارجياً، أما الإجابة عن سؤال: من هو المستفيد ؟ فقد تذهب بنا إلى التحقيق في مسارات أخرى لا بد من البحث فيها، وهذا لا يلغي مسؤولية الفاسدين والمهملين لمسؤولياتهم، بل يؤسّس لمحاربة الفساد والإهمال، باعتباره الأرض الخصبة للتدخّل الخارجي الإجرامي، إضافةً إلى أنّه قد يوصلنا إلى حقائق لم نكن نتوقّعها أو استنتاجات لا بدّ من أخذها دروساً للمستقبل.

من هو المستفيد ؟

في هذه الأيام، يستعدّ “الإسرائيليون” لافتتاح ميناء حيفا الجديد في الأول من سبتمبر 2021؛ هذا الميناء الذي ستشغله الصين على مساحة تمتدّ إلى 840 دونماً وبعمق 17م، ويمكن أن يستقبل سفناً بطول 400 م، في نظر الوزير السابق يورام كاتس 15/3/2018 سيحوّل هذا الميناء “إسرائيل” إلى “مركز دولي للتجارة البحرية”. 

وفي نظر رئيس بلدية حيفا السابق يوني ياهف (خلال مؤتمر حيفا للأبحاث البحرية-15/10/2013) سيكون “ميناء المستقبل لدولة “إسرائيل” ميناء لتصدير واستيراد البضاعة الصينية والهندية إلى أوروبا، وسيسمح بالتواصل الاقتصادي مع الدول المجاورة”، وهنا، لا بدّ من التساؤل: هل توجد لأيّ من الدول، أصحاب المصلحة في ميناء حيفا الجديد، مصلحة في تعطيل ميناء بيروت ؟ إذاً، من هو المستفيد من خراب ميناء بيروت ؟ تفجيراً كان أو انفجاراً ؟.

الصين ؟

لا شكّ في أنَّ الصين بحاجة إلى ميناء على شاطئ المتوسط، ولو كان ميناء بيروت متاحاً لها، وهو يصل بين شاطئ المتوسط ودمشق والعراق وإيران، كانت ستفضّله على ميناء حيفا الذي يتطلّب التصدير والاستيراد من خلاله علاقات “إسرائيلية” عربية، وهي معقّدة في الوقت الحاضر، أما تخطيها، فيتطلّب كلفة تجارية عالية. 

هنا، لا بدّ من أن نذكّر أنّ الصين قامت بتوسيع ميناء طرابلس قبل سنوات قليلة، وكانت قد اقترحت على لبنان في نهاية جويلية الماضي قبل الكارثة بأيام قليلة، إنشاء بنى تحتية من سكك حديد وخطوط مواصلات سريعة وتوسيع للميناء، لكن جهودها تعثّرت بسبب خوف المسؤولين اللبنانيين من غضب أمريكا، في حين أنّ “إسرائيل” تحدَّت الموقف الأمريكي، وأعطت الصين ترخيصاً لتفعيل ميناء حيفا الجديد. 

روسيا ؟

لا يختلف اثنان على أنّ روسيا تبحث عن موطئ قدم على شواطئ المتوسط، ولم تجد لغاية الآن إلاّ الموانئ السورية، ولو سمحت لها الجهات الرسمية اللبنانية، لما تردّدت في إعادة بناء ميناء بيروت في أسرع وقت.

فرنسا ؟

أيّ مصلحة لفرنسا في تعطيل ميناء بيروت ؟ ربّما يكون عبئاً كبيراً على الجهود الفرنسية للحفاظ على الاستقرار في لبنان، ماكرون كان الرئيس الأول الذي حضر إلى بيروت للتضامن، لكنّه لم يتردّد في انتقاد القوى السياسية الفاسدة في لبنان. 

وقال: “انفجار المرفأ يجب أن يشكّل بداية عهد جديد في لبنان”، ولكن، على الرغم من طلب الرئيس عون مساعدة فرنسا في التحقيق، لم يسلّم ماكرون لغاية الآن صور الأقمار الاصطناعية للمرفأ حين حصل الانفجار، كما طلب الرئيس عون، فما هي مصلحته في إخفاء هذه الصور ؟ وهل يحمي بذلك أحدا ؟.

أمريكا ؟

كان تصريح الرئيس الأمريكي السابق ترامب لافتاً جداً، حين قال في الساعات الأولى بعد الانفجار إنّ جنرالات كباراً في الجيش الأمريكي قالوا له: “إنّ التفجير في مرفأ بيروت يبدو لهم هجوم مرعب استخدمت فيه قنبلة من نوع ما”، هذا التصريح لم يتابَع كما يجب، بل كان هناك ضغط على البيت الأبيض ليتراجع عنه، وكانت النتيجة أنّ وزارة الدفاع الأمريكية استبعدت هذه الفرضية، لكنّها لم تُنكر أن يكون جنرالات أمريكيون قدّموا رأيهم إلى الرئيس.

“إسرائيل” ؟

هنا، لا نتوقّف كثيراً، نذكر أنّ “حزب الله” كان عشية كارثة المرفأ قد أجبر “الجيش” (الإسرائيلي) المنتشر على السياج الحدودي على أن “يقف على قدم ونص” لفترة أسابيع طويلة لم يتوقّعها “الإسرائيليون”، حتى كادوا يفقدون صبرهم، وعند حصول الكارثة توالت عشرات التصريحات والتقديرات من سياسيين وعسكريين وخبراء استراتيجيين، وتم اتهام “حزب الله” بما حصل في المرفأ، ومن ذلك: بعد ساعتين فقط من الانفجار/التفجير كتب المراسل العسكري لصحيفة “إسرائيل هيوم” مقالاً ادّعى فيه على لسان وزراء لبنانيين لم يذكر أيّ اسم منهم، أنّ “ما حصل هو انفجار مخزن أسلحة لحزب الله كانت قد صودرت في وقت سابق”، وتوقّع الكاتب أنّ الكارثة ستؤدي إلى “تعاظم الضغط المحلي والدولي لتحقيق مطلب نزع سلاح حزب الله” قبل مرور 24 ساعة أي في صباح اليوم التالي للانفجار كتب المراسل العسكري أمير بوحبوط في موقع “زمان يسرائيل”: “تعزّز الردع “الإسرائيلي” من دون إطلاق أيّ رصاصة”، في يوم 5/8/2020 نفسه كتب داني زاكين في موقع “غلوبس” (الإسرائيلي): “تعتقد مصادر أمنية وخبراء في “إسرائيل” والعالم أنّ 2750 طناً من نيترات الأمونيوم التي انفجرت في ميناء بيروت تم ضبطها عندما أراد حزب الله تهريبها إلى لبنان لاستخدامها في صناعة المتفجّرات والصواريخ الخاصة به، وأنّ السفينة التي تم احتجاز حمولتها جاءت من أمريكا الجنوبية، وعلى الأرجح من البرازيل”… وغيرها من معلومات لا تمتّ بصِلة إلى الحقيقة التي تكشفت لاحقاً وسريعاً.

أما في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، فقد كتب الدكتور أيمن منصور والجنرال عيران ليمان يوم 13/9/2020 مقالاً مشتركاً تحت عنوان: “كارثة بيروت فرصة لتغيير النظام السياسي في لبنان”، اتهم فيه الباحثان “حزب الله” بتخزين نيترات الأمونيا في مرفأ بيروت، هذا الاتهام يأتي في سياق الحملة الإعلامية التي انضم إليها أكاديميون ومراكز أبحاث، يفترض أن يبتعدوا عن الحملات الإعلامية المبنية على معلومات كاذبة تنشرها بعض المصادر السياسية أو الأمنية لأهداف دعائية، ويخلص الباحثان إلى الاستنتاج “أنّ عظم الأزمة وتعلّق لبنان المستقبلي المطلق بالمساعدات الأجنبية، يخلقان فرصة لمسيرة خلاصية طويلة الأمد للبنان، يرافقها مطلب حازم ومثابر للإصلاح العميق في السلطة، على جدول الأعمال، ثمّة إصلاحات بروح المطالب الشعبية خلال التظاهرات الأخيرة، ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ومن قبل القوى العظمى أيضاً، ويتصدّر ذلك مطلب قيام نظام سياسي جديد وغير طائفي”، على أمل أنّ مسيرة كهذه تضيّق على حزب الله و”تؤدي إلى اختفائه على المدى البعيد”، من مراجعةٍ لما ذكر أعلاه، ولعشرات المقالات والتصريحات “الإسرائيلية” المشابهة أو المطابقة، يتضح أنّ التفجير أو الانفجار يصب في المحصلة في مصلحة “إسرائيل”، وأنّ خلفية المواقف “الإسرائيلية” هذه نابعة من احتمالين: الأول أن تكون “إسرائيل” طرفاً فاعلاً في حصول الكارثة، والآخر أنّها تنتهز الفرصة لتحقيق مصالحها، وبالتالي إذا ما بحثنا عن المسؤول من خلال فحص المستفيد، لا يختلف اثنان على أنّ “إسرائيل” مستفيدة جداً من كارثة المرفأ، ولكن ذلك لا يكفي لإدانتها.

الإمارات ؟

لا ينكر أحد أنّ الإمارات تدير حرباً ناعمة للسيطرة على أكبر عدد من الموانئ في الشرق الأوسط، وأنّ مرفأ بيروت يشكّل نافذة عربية إلى أوروبا، إضافة إلى مرفأ طرابلس، الذي لا يضاهي مرفأ بيروت في قيمته وقدراته، وما دام مرفأ بيروت يعمل، فطموحات “إسرائيل” لجذب الإمارات إلى مرفأ حيفا تبقى ضعيفة، فهل كان تدمير مرفأ بيروت خطوة ضرورية لحصر الخيارات الإماراتية في مرفأ حيفا، وهكذا تتحقّق المشاريع الاستراتيجية الكبرى لـ”إسرائيل” بتحويل مرفأ حيفا الجديد إلى حلقة الوصل الأساس بين الغرب والشرق ؟.

يُذكر أنّ الإمارات لم تأبه كثيراً بتدمير مرفأ بيروت، كل ما فعلته هو إرسال أطنان من الأدوية والمواد الغذائية مساعدةً لبيروت، وهو ما تفعله مع العديد من الدول، شقيقة كانت أو صديقة، ويذكر أيضاً أنّ الإمارات بعد تفجير مرفأ بيروت أقدمت على خطوة فاجأت الكثيرين، بإعلانها الوصول إلى مرفأ حيفا الجديد لفحص إمكانية التعاون التجاري مع “إسرائيل”، كما أعلنت نيّتها توقيع اتفاقية التطبيع مع “إسرائيل” والتي تتضمّن في الأساس مشاريع اقتصادية استراتيجية على مستوى الشرق الأوسط، ومنها استخدام ميناء حيفا الجديد في هذه الاستراتيجية، هنا أيضاً نجد المصلحة “الإسرائيلية” الناتجة من تدمير مرفأ بيروت، ليس لأهداف اقتصادية محدودة، وإنّما ضمن أهداف استراتيجية كبرى تخدم المشروع الصهيوني الكبير، مع كلِّ ما ذكر أعلاه، يبقى التحليل قاصراً عن حسم ما إذا كانت كارثة المرفأ انفجاراً أو تفجيراً، وعليه، لا بد من تناول حقائق أخرى وربطها بما سبق للإجابة عن الأسئلة المفتوحة.

الأيام : وكالات

شاهد أيضاً

وصول بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مراكش

وصلت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الاثنين، إلى مدينة مراكش المغربية، لخوض المباراة المرتقبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *