الإثنين 27 سبتمبر 2021

بوسعادة.. جواهر وأساطير 10 قرون

تتشامخ مدينة بوسعادة (422 كلم جنوب العاصمة)، أيقونة عريقة في قلب صحراء الجزائر، ويشعر الزائر لمدينة بوسعادة بالسكينة والطمأنينة وهو يعانق هذه المنطقة الملقبة قديمًا “بوابة السعادة”… “الأيام” تتوغل بكم في الروبورتاج التالي عميقًا وسط فيافي وجنبات بوسعادة، وتغوص بكم في أفنيتها، متلمّسةً شموخ الأصالة ومتشرّبةً ينابيع التراث المتجذّرة في جنبات عشرة قرون.

“جوهرة الصحراء” كما يحلو للكثيرين تسميتها، لا تزال محافظة على استقطابها للضيوف، حيث تتموقع منذ زمن بعيد قبلة للسياح ومحج للفنانين الذين انبهروا لثراء المنطقة وتقاليدها وما تختزنه من تميّز في المعالم والأزياء من البرنوس والقندورة والحلي الفضية وصولا إلى الأواني النحاسية والفخارية والطوبية أيضا، ويدرك كل من يتشمم عبق جوهرة الصحراء، أنّ الأخيرة جزائرية خالصة، فقد أبت المدينة الانسلاخ وظلت مخلصة لشخصيتها الثقافية ورصيدها الحضاري الكبير، ولعلّ شواهدها الحالية تعكس ماضيها الثري الذي يشرح حاضرها ويضيء مستقبلها.

وبحسب معلومات توافرت لـ “الأيام”، فإنّ العلامة “سيدي تامر بن أحمد” هو من أسس مدينة بوسعادة عام 1120 ميلادي، ووصفها بالسعادة نظرا لغبطته بجمال الطبيعة قبل أن يتحول الاسم إلى “أبي السعادة” ثم إلى “بوسعادة”، وشيّد سيدي تامر في البداية مسجدًا حمل اسمه وما يزال موجودًا إلى حد الساعة رغم أنه بُني بالطوب والحطب، دون أي مواد بناء فعالة.

ويروي أبناء المدينة، أنّ المسجد المذكور بمجرد تشييده حتى انفجر بمحاذاته بئر مياهه دافئة شتاء وباردة صيفا، وشكّل مع مرور القرون حوضا مائيا تعيش فيه أسماك تسمى “النون” تقوم بتنظيف حوض المسجد من كل القاذورات والأوساخ ليل نهار وصباح مساء بفعالية كبيرة وكد غريب، ليكتسب مسجد سيدي تامر خواص المعلم الديني والحضاري والتاريخي الهام، وتخرجت منه قوافل من العلماء والأساتذة ورجال الفقه، كما شكّل مزارا دائما للسواح والكتاب والفنانين، ولا أدل على ذلك من تعلق الفنان التشكيلي الفرنسي الشهير “إتيان دينيه” (1861 – 1929 م) الذي دخل الإسلام وغيّر اسمه إلى “نصر الدين دينيه” قبل أن يكرس حياته في خدمة بوسعادة.

وحرص أبناء بوسعادة عبر قرون على بناء أحياء بشكل متناسق مع مسجد سيدي تامر، وهو ما أنتج العرقوب والشرفاء والزقم وباب البويب والموامين والعرابة وكلها مجتمعة تشكل مدينة بوسعادة الأصيلة والأصلية.

زاوية الهامل وقوافل العلماء

يقول أعيان بوسعادة أنّ زاوية الهامل التي تقع في زاوية الهامل (تبعد بحوالي 14 كيلومترًا عن وسط المدينة)، زادت المنطقة شهرة كونها منارة للعلم والدين والفقه، فقد شيّدت سنة 1845 على يد العلامة الراحل “سيدي محمد بن بلقاسم القاسمي”، وعُرفت هذه الزاوية بالدعوة الدائمة إلى تحصيل العلوم والدين والفقه، فتخرجت منها أجيال من المثقفين وعلماء الدين والإطارات والأئمة ورجال الفقه، وعملت هذه الزاوية التي تتبع الطريقة الرحمانية على نصرة مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة “الأمير عبد القادر” ودعمته في الحرب على المحتل الفرنسي، مثلما أيدت وساندت فرسان المقاومة على غرار الشيخ المقراني والشيخ الحداد وغيرهما.

ورغم حداثة تأسيسها، إلا أنّ زاوية الهامل عرفت نشاط علميا كبيراً، حتى أن بعض المؤرخين اعتبروها أكبر مؤسسة علمية في الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، وقد تأسست على يد الشيخ محمد بن بلقاسم القاسمي الذي يعتبر من أبرز علماء عصره (توفي سنة 1315ه الموافق ل 1897م). وقد لعبت منذ نشأتها دوراً كبيراً في حفظ التراث الإسلامي ونشر العلم والحفاظ على الهوية الوطنية رغم أنها كانت في فترة حرجة من تاريخ الجزائر، فقد سعت فرنسا بكل ما أوتيت من قوة لطمس الهوية الوطنية ونشر الأمية والجهل بين الجزائريين. وقد زار الكثير من العلماء هذه الزاوية ومنهم: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ السنوسي وغيرهم، وهذه الزاوية تملك عدد كبير من المخطوطات يبلغ عددها 1098 مخطوط، وهي متنوعة في جميع مجالات العلم كعلوم القرآن والفقه والفلك والفلسفة، وبعضها يمتدّ إلى قرون عديدة.

سوق الحرفيين واستثمار الزرابي

لا يمكن لزائر بوسعادة أن يتعامى عن سوقها الحرفي الشهير، فهنا تصادفك محلات بيع الزرابي بمختلف الأشكال والأحجام والمزركشة بشتى الألوان والرسومات والتي تباع بأثمان معقولة، وهي زرابي تنسج في البيوت بالطرق التقليدية العتيقة، كما تؤكده الحاجة فاطمة (77 عامًا) التي تمارس هذه الحرفة في منزلها منذ ستين سنة كاملة، حيث بدأت تكوينها وهي طفلة لم تكد تتجاوز 12 سنة، ومازالت لحد الآن تمارس الحرفة بشغف وعشق كبيرين على غرار معظم صبايا ونساء ومخضرمات بوسعادة.

وفي هذه السوق أيضا تبرز محلات بيع البرانيس التي تنسج معظمها من طرف عائلات متخصصة منذ عشرات السنين، ما جعل الحرفة متوارثة أبا عن جد حسب أقوال الحاج معمر (80 عاما) المختص في نسج وبيع البرنوس البوسعادي القحّ، وهو لباس تقليدي ذائع الصيت في الجزائر، ويشدّد الحاج معمر على أنّ صناعة البرنوس رصيد يعبر عن أصالة وخصوصية وهوية المنطقة، لذا يجب صيانته والمحافظة عليه ونقله بكل أمانة للأجيال الصاعدة، لذا فان مدينة السعادة تحتفل كل عام بـ”عيد البرنوس” الذي يستقطب الزوار من كل صوب وحدب.

20 فيلمًا في سماء وادي السعادة 

ما يزيد في إبهار السياح وجعلهم يتشبثون ببوسعادة، تلك المناظر الفاتنة والأخاذة كبساتين النخيل الممتدة على ضفتي الوادي الرقراق التي تتعانق فيها أشجار البلوط بأشجار الرمان وأشجار المشمش بالخروب واللوز، وهو سحر جعل كبار الكتاب والفنانين يزورون بوسعادة باستمرار، وشجّع تنوعها كبار المخرجين العالميين على القدوم إلى المدينة الهادئة لتصوير أعمال اشتهرت دوليا، على غرار فيلم “دليلة وسمسون” الذي مثل فيه “هيدي لامار” و”أنجيلا لانسبوري” وأخرجه “سيسيل بلونت دو ميل” (1948)، وفيلم “بائع العبيد ” للمخرج الايطالي الشهير “أنطوني داوسون”، علاوة على أفلام جزائرية كان لها صداها كـ”عطلة المفتش الطاهر” للمخرج موسى حداد، و”وقائع سنوات الجمر” للمخرج محمد الأخضر حمينة (1975) الذي افتك السعفة الذهبية لمهرجان كان، إضافة إلى الفيلم الهزلي” الطاكسي المخفي” للمخرج بن عمر بختي (1989).

ولا يمكن أن تكتمل جولتك عبر جوهرة الصحراء دون زيارة طاحونة” فيريرو” التي لا تبعد عن بوسعادة سوى بثلاثة كيلومترات، وأصبحت بمثابة معلم تاريخي يلجا إليه كل الزوار، تبعا لمجاورتها شلالات رائعة كانت في الماضي تشكل الطاقة المحركة للطاحونة، فيما تحول منزل ” فيريرو” اليوم إلى أطلال بديعة خلابة تسبح وسط مياه الوادي المحاط بحدائق عائمة وبساتين خصبة خضراء.

إلى ذلك، يشكّل وادي السعادة موقعا حالما ومرفئًا رومانسيًا تتجلى فيه آيات الحنين والأنين والآهات، ما أهلّه إلى تجاوز دوره الآبد كمغذي لواحة بوسعادة الجميلة، لتصبح مناظره الساحرة ملهمة المبدعين وملتقى الأحبة.

وعلى طول منخفضات جبل كردادة العتيق الذي يعتلي مدينة بوسعادة الآسرة، يمتد وادي السعادة على عدة كيلومترات إلى غاية زاوية الهامل الشهيرة، ويختزن هذا الوادي بين دفقاته حكايا متناثرة يرويها أصلاء بوسعادة دون كلل، ويحتفي أبناء الوادي برمزية المكان وهالة شلالات (فيريرو)، ويقول محمد (47 سنة) بافتخار أنّ الوادي يحتضن القريب والبعيد، ويضيف متباهيًا: “إذا ما حدث وأن زار شخص غريب وادينا، فإنّه يدرك لأول وهلة أنه كلما اقترب من المنطقة، كلما زاد الوادي جمالا ورونقا وتألقا، ويؤيد أحمد نظرة صديقه بتوكيده على أنّ وادي السعادة يجلب النظر ويمنح المتعة ويعزز الرغبة في المكوث لأجل معايشة أجواء خلابة جادت بها الطبيعة.

ولكون الوادي عابرا لبوسعادة القديمة، يروي مخضرمون أنّه بقي مصدرا هاما للزراعة والبستنة، حيث عمد سكانه الأوائل إلى إنجاز الحدائق وغرس الأشجار المثمرة من رمان وتين وزيتون ونخيل، كما كانوا يعتمدون عليه في الاستهلاك اليومي للخضروات بل ومن بين السكان من يجعل بعض المساحات المحاذية لضفتي الوادي مرعى للغنم.

وعلى منوال مواقع كثيرة في بوسعادة اجتذبت السينمائيين، ظل وادي السعادة هو الآخر فضاءًا محبذًا لكثير من المنتجين السينمائيين حيث تم تصوير ما يفوق العشرين عملاً سينمائيًا هناك بينها دراما “أشواك المدينة” للمخرج علي عيساوي، ولعلّ انفراد الوادي بطبيعة جبلية تجوبها شلالات وسط مناخ جبلي وصحراوي وشبه صحراوي، حفّزت ممارسي الفن السابع على الحج باستمرار إلى موقع يتميز بديكور طبيعي مميز، إذ أنّ تموقع جبل كردادة الصخري الأحمر المحاذي للوادي من الجهة الجنوبية، يمكّن من التقاط مشاهد ممزوجة بين واقعين: أخضر في الواحة وأحمر كما في الصحراء.

هوس نصر الدين دينيه 

اتخذ الفنان التشكيلي الفرنسي الشهير “إتيان دينيه” (1861 – 1929م) الذي دخل الإسلام وغيّر اسمه إلى “نصر الدين ديني)، من إحدى ضفتي الوادي موقعا لورشته التي مكنته من الاطلاع عما يجري آنذاك في بعض المواقع الحساسة من الوادي، حيث تمكن أن يصور الحياة التي تعيشها المرأة آنذاك خصوصا الشابات اللواتي يتخذن من الوادي موقعا لتنظيف الملابس والاستحمام والترفيه عن النفس، وتلك خلفية محاولة أهالي المنطقة قتل دينيه، حينما علموا أنه يتخذ من ضفة الوادي موقعا للتجسس عن الشابات وتصويرهن بالآلة الفوتوغرافية ليتسنى له إعادة رسمهن بالريشة فيما بعد.

ولا يزال غالبية التشكيليين محافظين على نمط “دينيه” فهم لا يهملون في لوحاتهم أي تدقيق في ما يحتويه الوادي من ميزات لا يراها عامة الناس بل ويغوصون في أعماق محتويات الوادي ويجعلون منها في بعض الأحيان موضوعا رئيسيا للوحاتهم كما الحال بالنسبة لبعض المواقع الحجرية للوادي.

اللافت حاليا أنّ وادي السعادة تحوّل تدريجيا إلى موقع للبناء ومرمى للنفايات، لكنّ الغيورين عليه يصرون على تأمينه ضدّ محاولات المسخ، ما جعل الوادي محافظا على تلك العلاقة التي تربط الواحة بالسكان فالبعض من شبابه كثيرا ما حوّلوا “رحى فريرو” إلى موقع للسباحة والاستجمام صيفا، والجلوس والمسامرة أثناء بقية فصول السنة، وبعدما كان الوادي قبلة لفرق الفولكلور، بات الحضور النخبوي في الوقت الراهن محصورا في كوكبة من الفنانين الشعبيين والشعراء الذين يجدون فيه موقعا ملائما للإلهام والإلقاء.

ويُروى أن وادي السعادة عندما “يغضب” تؤدي سيوله إلى جر كل ما تلاقيه في طريقها، لكن ذلك لم يقلل من حماسة السكان للإقامة بجوار الوادي، بيد أنّ الخطر الآنف الذكر جعل السلطات تكبح جماح جميع أشكال البناء الفوضوي وتقدم على إعادة تفعيل شبكة الصرف الصحي حفاظا على التنوّع البيئي للوادي، إثر الأضرار التي طالت الأخير جرّاء استخدامه من لدن البعض كمفرغة للقاذورات ومصبًّا للمياه المستعملة.

بهاء قمة “كردادة” 

وأنت تتأهب للدخول إلى مدينة السعادة، تلمح الجبل العتيق “كردادة” وهو يعتلي المدينة حتى يخيل للمرء أنّ هذه القمة الجبلية الشاهقة تسهر على حماية هذه الجوهرة من هول الزمن، وما يلبث الداخل إلى بوسعادة أن يشعر بهدوء الصحراء في هذا المكان، فأحياء ومسالك بوسعادة مكلّلة بالربوات والتلال والكثبان الرملية تزينها أشجار الصفصاف من جانب وتعطرها رائحة النباتات الطبيعية كالديس والشيح والعرعار من الضفة الأخرى، وتبرز هذه المدينة العتيقة لأول وهلة بخصوصية طابعها المعماري الأصيل والمميز، فحاراتها ذات اللون البني والأصفر لم تشيد سوى بالطوب والعرعار والخشب منذ قرون ومازالت تكافح الزمن لحد الساعة.

ضرورة إعادة الاعتبار 

تجمع فعاليات على ضرورة إعادة الاعتبار إلى مدينة بوسعادة الهادئة تبعا لمكانتها كإرث نفيس وقيمتها السياحية والبيئية، وتتجه دوائر القرار إلى إنعاش جوهرة الصحراء عبر تكثيف المشاريع الجوارية ذات العلاقة بالسياحة مثل الفنادق والمسابح والمقاهي، على نحو من شأنه إنهاء التهجين الذي تتعرض له ذاكرة المكان.

الأيام: كامل الشيرازي

شاهد أيضاً

وصول بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مراكش

وصلت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الاثنين، إلى مدينة مراكش المغربية، لخوض المباراة المرتقبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *