الإثنين 29 نوفمبر 2021

تحت مظلّة “الخوصصة”.. حقيقة “مناورات” بيع 1200 مؤسسة عمومية

شهدت الجزائر في الفترة ما بين عامي 1995 و2018، اهتمامًا مثيرًا للجدل بطرح ما لا يقلّ عن 1200 مؤسسة عمومية، بينها شركات “سيادية”، للبيع عبر توليفة “فتح الرساميل”، والتي جرى تحريكها تحت مظلّتي “الخوصصة” و”الشراكة”. “الأيام” تستحضر حقيقة ما جرى على مدار 24 سنة كاملة، وحيثيات “المناورات” التي طبعت تسيير هذا الملف الشائك.

كانت البداية عام 1995 حين طرح رئيس الحكومة آنذاك أحمد أويحيى الصيغة الأولى لخصخصة المؤسسات، وما ترتّب عن ذلك في السنوات الثلاث اللاحقة من تسريح ستمئة ألف عامل في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي.
لعشرات الآلاف من العمال، وعاد أويحيى في خريف عام 2004، ليطرح مجددًا مخططًا لما سماها “خصخصة 1200 مؤسسة عمومية”، وتضمنت العملية “بيع” مؤسسات سيادية بشقين جزئي وكلي، وهو ما أثار لغطًا عارمًا تبعًا لتساؤل عدة متعاملين ومراقبين عن “مدى الحذر” الذي طبع تعاطي الجهاز التنفيذي في تلك الفترة مع “خيار” الخوصصة، على خلفية التخوّف من انعكاسات تخلي الدولة عن هذا العدد الضخم من الشركات الاقتصادية، واحتمال فقدان عدد غير محدود من العمال لوظائفهم.

بيع 294 مؤسسة لقاء 1.4 مليارات دولار!

استنادًا إلى أرقام مجلس مساهمات الدولة، جرى خصخصة 294 مؤسسة عمومية بين 2004 و2007، وهي عملية تمّت لقاء 1.4 مليارات دولار فقط، بعد أن كان رئيس الحكومة حينذاك، أحمد أويحيى، يتحدث عن تحصيل 10 مليارات دولار.
وصرّح الوزير السابق للصناعة والاستثمارات عبد الحميد تمار في خريف 2008: “عملية الخوصصة في الجزائر تعرف تأخرًا كبيرًا، ورغم ذلك سمحت الخطة بالحفاظ على 24 ألف منصب شغل، واستحداث 12 ألف منصب جديد، كما تم اعتماد حوالي 600 مليون دولار لخطط إعادة تأهيل وهيكلة المؤسسات المرشحة لفتح رقم أعمالها”، على حد قوله.

وظلّ المسؤولون في عهد الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، يتغنون بــ “تسريع سياقات الخوصصة من أجل تقويم وضع المؤسسات الفاشلة، ودفع مسار التنمية في البلاد والتحكم في السيولة النقدية التي تتحصل عليها الجزائر من ريع المحروقات والتركيز على الأطوار التي تحد من المخاطر على النسيج المؤسساتي”.

في المقابل، أكّدت مراجع نقابية وخبراء أنّ انعكاسات تخلي الدولة عن عدد ضخم من المؤسسات العمومية كانت ستكون وخيمة، وأبدى معارضون توجسهم من “شبح تكرار سيناريوهات كارثية في الجزائر، على غرار الذي أورثته الخوصصة (المتوحشة) في غانا والأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وغيرها، ممن تحوّلت لسنوات طويلة لهلهلة اقتصادية مضاعفة وانحراف اجتماعي وإفلاس سياسي على طول أيضًا”.

وأشار الخبير “أرسلان شيخاوي” آنذاك إلى احتمال فقدان وظائف دائمة تصل إلى حدود نصف وعاء الطبقة الشغيلة في الجزائر، كما شكّك في جدوى “خطة التطهير المالي للمؤسسات العاجزة”، كون الإجراء في مؤداه سيزيد – بحسبه – من إنهاك خزينة الدولة، في وقت راح طمار يتحدى الجميع بتصريح مفاده: “الخوصصة باتت خيارًا لا مفر منها للشركات المفلسة، بل وحتمية لتحقيق قفزة نوعية ومنح جرعات لمنظومة الانتاج وقطاع التصنيع، ودفع مسار التنمية في البلاد “.

حالة مركّب الحجار

قامت الحكومة زمن رئيسها السابق علي بن فليس عام 2001 ببيع غالبية أسهم مركّب الحديد والصلب بالحجار للمجمع الهندي “ايسبات” التابع لمجمع “ميتال”، تحت غطاء الشراكة بين العملاق الهندي و”سيدار” لتسيير “الحجّار”، واستمرّ الوضع إلى غاية جانفي 2012، حين أعلن الطرف الهندي، وضعية الإفلاس، وأقرّ مخططًا يقضي بطرد 1200 عامل من المصنع، لكن سلسلة إضرابات دفعت الحكومة للتدخل وإعادة استرجاع تسيير المصنع الذي يشغّل 7 آلاف عامل، ولديه طاقة إنتاج تقدر بمليوني طن سنويا من الفولاذ السائل.

وأعلن المتعامل الهندي في سبتمبر 2013 عن التوصل إلى اتفاق استراتيجي مع الحكومة الجزائرية يتضمن ضخ الأخيرة قيمة 763 مليون دولار أميركي لتطوير المركب الحديد والصلب بالحجار بولاية عنابة شرق الجزائر، ومنجمي الونزة وبوخضرة بولاية تبسة شرق البلاد.

وبتاريخ 30 نوفمبر 2014، استعادت الجزائر تسيير أكبر مصنع للحديد في البلاد، حازت بموجبه الحكومة على نسبة 51 % من رأسمال المصنع، موزعة بين مؤسسة الحديد والفوسفات بنسبة 30 %، ومجمع “إيميتال” العمومي بنسبة 21 %، فيما يحتفظ الشريك الهندي بـ 49% من الأسهم.

وبتاريخ الأحد السابع أوت 2016، تمّ استكمال “التأميم” باسترجاع الجزائر، كافة أصول وحصص مركب الحجار للحديد والصلب ولواحقه وفروعه، بموجب الاتفاق المبرم بين مجمّع “ايميتال” و”أرسيلور ميتال الجزائر”، تطبيقًا للاتفاق الأولي الموقّع في السابع أكتوبر 2015، والذي نصّ على تحويل الشريك الهندي لغالبية الحصص إلى الجانب الجزائري، استتباعا لإقرار مجلس مساهمات الدولة في أكتوبر 2014 كافة الالتزامات المتصلة بإعادة بعث وإنعاش مركب الحجّار الذي شهد تململاً لعدّة سنوات.

وتمّ تحويل كافة الحصص الاجتماعية لفروع “أرسيلور ميتال الجزائر” و”أرسيلور ميتال للأنابيب”، و”أرسيلور ميتال تبسة”، فضلا عن استغلال الجزائر لمنجم الحديد بتبسة وتطوير شركات “أرسيلور ميتال”.

حين جرى التخطيط للتخلي عن 5 مؤسسات سيادية

طرح طمار عام 2008، مخططًا غامضًا للتخلي عن 5 مؤسسات سيادية بينها 4 بنوك، وتعلق الأمر وقتذاك بكلٍ من: الجزائرية للاتصالات، بنك التنمية المحلية، القرض الشعبي الجزائري وبنك الفلاحة والتنمية الريفية والصندوق الوطني للتوفير والاحتياط، وصرّح طمار حينذاك: “دخل تخصيص “بنك التنمية المحلية” ساعة الحقيقة، وذلك ما هو إلاّ إيذان بتسريع خصخصة جزء هام من القطاع البنكي العام في الجزائر”.

وبرّرت الحكومة، تلك الخطوة، بمسوّغ “التحديث والدفع بوتيرة الإصلاح، وحاجة المؤسسات المعنية إلى إعادة هيكلة وإدارة أفضل”، كما ربطت ذاك التوجه، بما يقتضيه “برنامج تقويم القطاع المالي، وتعميق دور التمويل المصرفي للتنمية في البلاد، وتحفيز الاقتصاد وتحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب تطوير مناخ الاستغلال لدى البنوك للحدّ من نفقات الوساطة المالية والتحكم في السيولة النقدية التي تتحصل عليها الجزائر من ريع المحروقات والتركيز على الأطوار التي تحدّ من المخاطر على البنوك، بجانب فسح المجال أمام القطاع البنكي الخاص”.

لكنّ مصالح رئيس الحكومة السابق عبد العزيز بلخادم تراجعت عن الفكرة في ربيع 2008، علمًا أنّه جرى التخطيط عام 2003 لخصخصة “القرض الشعبي” بـ 49 من المئة، في وقت ظلّ البنك العالمي وصندوق النقد الدولي يضغطان لفتح رأس مال القرض الشعبي بأكثر من ذلك، بزعم “تحديث النظام البنكي الجزائري وتحسين قدراته في تمويل الاستثمارات وعجلة النمو”.

وتبلغ قيمة أصول “القرض الشعبي الجزائري” نحو ستة مليارات دولار، كما يحوز على 30.6 % من إجمالي أصول القطاع البنكي العام، وله 125 وكالة توظّف زهاء 4 آلاف شخص، وجرى التخطيط لجعل “القرض الشعبي” في قلب عملية خصخصة يقودها بنك الاستثمار “روتشيلد” التابع لعائلة يهودية أسّست دولة الكيان الصهيوني.

ضجيج وافتقار للوضوح

أثار وزير الصناعة وترقية الاستثمارات عبد الحميد تمار، ضجّة بقوله أواخر عام 2008 أنّ “تطبيق إصلاح النظام المصرفي لم يتم مع أنّ الدولة خصصت مبالغ معتبرة لذلك” (..)، وبرّر طمار تلك الخطوة بحاجة البلد إلى ”تطهير مالي لضمان متنفس للبنوك المراد خصخصتها، طالما أنّ الأخيرة تعاني من اختناق مالي شديد، بعدما ثبت فشل خطط الحكومات المتعاقبة، وهو ما نجم عنه تأخير إعادة تأهيل البنوك التي تفتقد نظام رقابة فعال مبني على أساس المعايير الدولية، في ظل النقص الكبير المسجل في مجال الرقابة القبلية والبعدية والرقابة الداخلية المنصوص عليها في مقررات اتفاقية ”بال الأولى” التي وقّعت عليها الجزائر”.

على النقيض، رافع الخبير المالي عبد الرحمان مبتول لإبرام البنوك الجزائرية شراكات مع نظيراتها الأجنبية، بما يسمح للمؤسسات المالية العمومية بتسوية عدّة إشكالات والتحوّل إلى أقطاب داعمة للاستثمارات المباشرة.

ورأى مبتول، أنّ افتقاد مخطط الخوصصة المراد تنفيذه للوضوح والتخطيط البعيد المدى والشفافية المطلوبة، جعل العملية أقرب إلى “المغامرة والتفنن في استنساخ الأخطاء ليس إلاّ”، بينما ذهب الخبير المالي عبد الحق العميري إلى أنّ الخوصصة بالنموذج المتبّع كانت متسرّعة بعض الشيء، خصوصًا ولم تشفع بنظرة متكاملة.

وبحسب “عمر أورمضان” الرئيس السابق لمنتدى رؤساء المؤسسات، فإنّ القوانين التي كانت تسيّر الخوصصة في الجزائر هي السبب الرئيسي في الجمود الذي كبّل الاقتصاد الوطني، معتبرا أن شروط التمويل التي فرضتها الدولة لاقتناء المؤسسات العمومية تعجيزية، في صورة إجبارها الجهة المهتمة بأي صفقة، بدفع 30 % من القيمة الإجمالية للمؤسسة فورًا، ودفع 70 % المتبقية خلال الخمس سنوات اللاحقة، وهو ما حال دون اهتمام عرّابي القطاع الخاص بشراء أسهم المؤسسات العمومية المعروضة.

فشل بورصة القيم المنقولة

حاولت الحكومة إنعاش عملية الخوصصة عام 2009 عن طريق تفعيل “بورصة القيم المنقولة”، غير أنّ محاولتها مُنيت بالفشل، حيث خاب مسعى خصخصة ‪11 مؤسسة عمومية عن طريق فتح رأسمالها عبر البورصة ولم تتمكن من تجسيد ذلك، كما عجزت وزارة المساهمات وترقية الاستثمار في تلك الفترة عن اقتراح مؤسسات جديدة لدخول البورصة، هذه الأخيرة ظلّت تعرف – بحسب المتابعين – ركوداً في نشاطها، خصوصًا غداة انسحاب شركة “الرياض للعجائن” من التداول بها.

استبعاد العمال

أفرزت عملية الخوصصة انتقادات واسعة من طرف مجموع النقابات المستقلة وقوى المعارضة في الجزائر، بسبب عدم إشراك العمال، حيث تلافت الحكومات المتعاقبة إصدار تعليمات لإشراك وإعلام العمال وممثليهم في أي عملية خصخصة أو شراكة.

والمثير أنّ عموم سيناريوهات الخوصصة التي تمت، جرى تمريرها دون إعلام ممثلي العمال في عمليات التنازل عن أصول الشركات التي ينتمون إليها (..)، – ما جعل البعض يتهم “القائمين على الخوصصة” باعتماد ما يسمونه “أساليب غير نظيفة” في عقد الصفقات الخاصة، خصوصا بالنسبة للشركات التي لم تغر أحدًا.

واصطدمت الكثير من عمليات الخوصصة بــ “مقاومة” من قبل النقابات العمالية، وقد أفرزت خصخصة عده مؤسسات نزاعات بين الإدارة والعمال أدت إلى نشوب عديد الاحتجاجات، كما كان عليه الحال بالنسبة إلى خصخصة مركب الحديد بمنطقة “الحجار” الشرقية لصالح الشركة الهندية “إسبات”، والتململ الكبير في الأوساط النقابية إثر منح حق تسيير ميناءي الجزائر العاصمة و”جن جن” بولاية جيجل، لصالح الشركة الإماراتية ”موانئ دبي”.

اندفاع بذريعة “التطهير المالي”

بحسب الخبير مصطفى فتحي، سعت الحكومات السابقة إلى تمرير مخطط الخوصصة تحت ذريعة ”التطهير المالي’، وجرى ذلك باندفاع بمبرر “ضمان متنفس للشركات المزمع خصخصتها، طالما أنّ الأخيرة تعاني من اختناق مالي شديد”، لذا ارتضت الحكومات توليفة “البيع” ووجدت لذلك مبررًا جاهزًا “استمالة مالكين جدد لأصول المؤسسات المذكورة وجذب استثمارات أجنبية مباشرة لتحريك دواليب الجهاز الإنتاجي وبخاصة الصناعي”.

وأثناء فترة ترأسه الحكومة بين ماي 2006 وجوان 2008، أبدى عبد العزيز بلخادم، قناعة بأنّ “آخر الدواء للمؤسسات المطروحة على الخوصصة، سيكمن في التصفية”، وصرّح بلهجة الواثق إنّ الدولة لن تستمر طويلا في إنعاش المؤسسات المفلسة، وأنّ مآل الأخيرة إن لم تنجح في تجاوز احتباسها، سيكون الحل إن لم تباع، مطمئنا بأنّ الدولة الجزائرية “ستحافظ على أجهزة الانتاج واليد العاملة”، وذكر بلخادم للصحفيين وقتذاك وجوب “التخلص” من 120 شركة عمومية قبل نهاية سنة 2008، بحجة أنّها باتت “خاسرة”، ولم تفلح خطط إعادة تأهيلها وتحديثها، في إرجاع الروح إليها.

الافتقار إلى مقوّمات الوضوح

في تصريحات لـ “الأيام”، أكّد الخبير المالي عبد الحق لعميري، أنّ خطة الخوصصة على النحو الذي تمّت به، افتقدت لمقومات الوضوح والشفافية والتخطيط البعيد، ونبّه لعميري إلى أنّ الخوصصة في سائر أشواطها في تسعينات القرن الماضي، وشوطها الثاني بين عامي 2004 و2006، أو في شوطها الثالث (2008 – 2012)، وحتى شوطها الرابع (2018 – 2019) لم تنضج ثمارها، لنقص الدقة في الأهداف، وعدم إجابة أهل الحل والعقد على السؤال الكبير: ”ماذا نريد من وراء بيع المؤسسات العمومية؟

وفي تفسيره لــ (تعثر) خطة الخوصصة، ذهب لعميري إلى أنّ “الوضع المالي للمؤسسات المعنية لم يشجّع المستثمرين الخارجيين على شراء رساميلها”، مشيرًا أيضًا إلى “خلل اعترى الرؤية الرسمية للمسألة”، ولفت لعميري إلى أنّ الخوصصة على الطريقة الجزائرية، لم تستفد من إخضاع العملية لضوابط عملياتية تساير التوجه الاقتصادي الشامل للجزائر وتساوقه مع متغيرات وأفق المنظومة العالمية، وركّز على آليات تسيير الملف التي أفرغت مشروع الخوصصة من محتواه.

وانتهى لعميري: “بيع المؤسسات المفلسة كان يستدعي بالضرورة إزالة الأسباب والعوامل التي أدت إلى إفلاسها، فبقاء العامل البنكي في منح القروض مع عدم تحصيلها في أوقاتها بما ينص عليها قانون القرض والنقد، كرّس اللبنة الهشة في الهيكل الاقتصادي العام بالجزائر”.

الأيام: كامل الشيرازي

شاهد أيضاً

إخماد حريق غابة “جبل العاطف” بتبسة بشكل تام

تمكّن عناصر الحماية المدنية وأعوان محافظة الغابات والمواطنون المتطوّعون من إخماد الحريق الذي شبّ يوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *