الإثنين 27 سبتمبر 2021

“تيديس” بقسنطينة.. أين تواجد الانسان منذ نحو مليون عام

أكدت حفريات قام بها علماء آثار، تواجد الإنسان قبل نحو مليون عام في مدينة “تيديس” (400 كلم شرق الجزائر)، وجرى تسمية “تيديس” من لدن الرومان الأوائل بـ “جمهورية الحصن القديم”، وكانت تعرف أيضًا بـ “قسنطينة القديمة”، لكن هذا التراث الانساني بات معزولاً وصار ذاكرة منسية بفعل صنوف الإهمال المزمن، لكن ذلك لم ينل من وهج “تيديس” وروحها الصامدة في وجه الزمن.

“تيديس” غير المصنّفة عالميا كتراث إنساني، تختفي في جبل مهجور، وتمتاز بكثـرة الكهوف التي كان الأهالي يتعبدون بها، وأطلقت عليها أسماء عديدة مثل: قسنطينة العتيقة، رأس الدار، ومدينة الحرفيين، لما عرفته من إنتاج مكثّف للخزف والفخار ذي اللون البرتقالي، أما الرومان فأعطوها اسم “كاستيلي روسبيبليكا” وهو المكان المحصن المتمتع بتنظيمات بلدية، إلى أن استقرت تسميتها عند “تيديس”(وهو اسم محلي نوميدي).   

وبمنظور جمهور المؤرخين، لا يمكن اختزال آثار تيديس في حضارة واحدة فحسب، إذ تعتبر بمثابة بانوراما أثرية لا مثيل لها، كونها شاملة لكل الحضارات التي تعاقبت على شمال إفريقيا بداية من الليبية والبونيقية والرومانية والبزنطية ثم الإسلامية والحقبة العثمانية.

ويتجلى عصر ما قبل التاريخ في مجموعة من القبور تسمى “دولمانات” ومعناها” المناضد الصخرية”، والمقبرة القديمة الواقعة على منحدر الجانب الشمالي وتجمع عدداً من المباني الأثرية الدائرية المتأثرة بطريقة الدفن الجماعي وتسمى “بازناس”، وتدل النصب والشواهد الموجودة على العصر البونيقي، فيما يتجلى الطابع الروماني في المناهج المتعلقة بنظام تخطيط المدن، ويكفي “تيديس” احتواءها على أصغر (كاردو) ومعناه: الشارع الرئيسي، وأصغر ساحة (فوروم) في مجمل المواقع الأثرية الرومانية.

قرية أمازيغية من العهد النيوليتيكي

بحسب وثائق تاريخية، كانت “تيديس” قرية أمازيغية تتربع على 41 هكتارًا، ونمت منذ العهد النيوليتيكي، لتتطور وسط ما كان يٌعرف بـ(الدولمانات)، وكان يطلق عليها اسم “كستلوم تيديتانوروم” الذي يعني “البرج أو الحصن القديم”، تبعا لتموقعها كقلعة حصينة كانت تحمي إقليم “سيرتا العتيقة” من الهجمات الأجنبية، وما تزال شواهدها موجودة إلى اليوم.

وتجد بين أطلال تيديس، كتابات في العراء لأقوام تعاقبوا على هذا المكان، يعود بعضها –حسب دراسات- إلى حقب بعيدة تمتد إلى آلاف السنين، وتجد وسط سهل تيديس الشاسع، كهوفا ومقابر، احتوت أيضا على كتابات ونصب فينيقية ونقود نوميدية ما تزال تشهد بدورها على معالم حضارة سبقت الحضارة الرومانية، رغم أنّ تيديس جرى تحويرها، استنادا إلى آراء مهندسين معماريين، حيث سعى الرومانيون إلى منحها نمطهم العمراني، وسموها “كاستلي ريبوبليكا تيديتانوروم”- -castelli respublica tidditanorum أي (جمهورية الحصن القديم)، وهو ما تؤكده وثيقة أرشيفية متوفرة.

ويقول “نوار ساحلي” الخبير في التاريخ القديم، إنّ أولى الحفريات تمت العام 1941، بإدارة عالم الآثار الفرنسي “أندريه برتيي” الذي كان مديرًا لمتحف مرسيليا آنذاك، وسمحت الحفريات التي أجريت بقيادة برتيي، في الفترة ما بين سنتي 1942 و1970، باكتشاف آثار وبقايا أثرية كانت مدفونة، أثرت رصيد بعض المتاحف الفرنسية، إلى جانب متحف مدينة قسنطينة الذي يضم رواقًا يسمى “الحياة اليومية في تيديس”.
وتشهد طلاليات “تيديس” على الحضارة الفينيقية التي أصبحت فيما بعد بونيقية، بحكم انصهار الفينيقيين مع سكان شمال إفريقيا الأصليين، بحكم روابط المصاهرة والاختلاط وممارستهم المقايضة مع سكان مدن ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وثمة شواهد تبيّن هذا الارتباط، في صورة جداريات وعينات من آوانٍ فخارية وحلي وبعض المنتجات التي كان يتميز بها الفينيقيون، تبعا لاشتهارهم بالتجارة وعشقهم للمغامرات البحرية.

الأيام الجزائرية : كامل الشرازي

شاهد أيضاً

الجزائر تعرب عن ” قلقها” إزاء إنسداد آفاق حل القضية الفلسطينية

أعربت الجزائر، اليوم الاثنين، عن عميق قلقها أمام انسداد آفاق حل عادل ونهائي للقضية الفلسطينية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *