الإثنين 27 سبتمبر 2021
تعزيز فرص تصدير مادة "زيت الزيتون"

زيت الزيتون الجزائري.. جودة عالمية وضحالة تسويقية!

يتمتع زيت الزيتون الجزائري بسمعة ممتازة دوليًا بفعل الجودة العالية للزيوت التي تدّرها أشجار تيزي وزو وبجاية والبويرة وجيجل والمسيلة وغيرها من حواضر الجزائر، لكنّ هذا التميّز الذي يبلغ درجة الإبهار لم ترافقه عائدات اقتصادية في المستوى المأمول بسبب يرجعه الخبراء إلى ضحالة التسويق واصطدام ضعف الإنتاج بـ “غياب” الاحترافية. “الأيام” تبحث المسألة في هذا الملف.

بلغة الأرقام، تتوفر الجزائر على أكثر من 35 مليون شجرة زيتون، مؤهلة لإنتاج 90 ألف طن كل عام، وهي تحتل المركز الثالث عربيًا في قائمة الدول المنتجة للزيوت بعد تونس والمغرب، كما تتواجد الجزائر في الصف السابع عالميًا في انتاج زيت الزيتون والرابع في إنتاج زيتون المائدة، وسط مراهنات على برنامج موسّع لزرع نصف مليون ألف هكتار إضافية من أشجار الزيتون في 15 ولاية، لكن المعطى بمنظور المتخصصين يبقى ضعيفًا قياسًا بما تسجله دور الجوار وبلدان الضفة المتوسطية.
ويقرّ رئيس المجلس الوطني المهني المشترك لشعبة الزيتون، محمد بلعسلة، بوجود عدة نقائص تحول دون تطوير شعبة زيت الزيتون بالوتيرة المنتظرة على الرغم من النتائج المحققة، والجهود المبذولة من طرف الفلاحين والمستثمرين، منوّهًا إلى التزام المنتوج الجزائري بدفتر الشروط والمقاييس المعتمدة من طرف المعاهد الدولية.
ويضيف بلعسلة: “الشعبة تعرف نقصًا في مخابر تحليل النوعية ومصانع التعليب واستراتيجيات الترويج والتسويق إلى جانب الحاجة إلى مجهودات مضاعفة لضبط الإنتاج، فضلًا عن نقص المياه في المناطق الفلاحية ونقص تقنية السقي بالتقطير والتأخر في منح الامتياز والقروض للفلاحين المعنيين بزراعة الزيتون، ونقص المرافقة خلال التصدير”.
وبحسب بلعسلة، فإنّ التفاوض مع المتعاملين الأجانب للاستثمار في زيت الزيتون بالجزائر، أو التعامل معهم في تصدير المنتوج، لا بد أن يبدأ من بلورة سوق منظم يجد الترحيب من طرفهم، في هذا الصدد، أكد المسؤول ذاته “ضرورة تعزيز الإطار القانوني المتعلق باللجنة الوطنية للتذوق المنشأة بقرارين وزاريين، والتي تضم 24 عضوا تابعا لعدة معاهد وطنية متخصصة، مشيرًا إلى أنّ 8 خبراء منهم استفادوا من تكوينات متخصصة في الخارج، إضافة إلى تكوين 10 رؤساء لجان في الخارج.
من جانبه، يشيد خالد ربيحة رئيس دائرة التجارب بالمعهد التقني لزراعة أشجار الفواكه والكروم، بالمجهودات المبذولة منذ سنة 2013 في مجال تحليل أنواع زيت الزيتون، ويشير إلى أنّ استراتيجية المعهد المذكور ترتكز على تحسين منتجات زيت الزيتون الذي “يبقى إنتاجه ضعيفا مقارنة بالإنتاج المسجل في منطقة البحر المتوسط”.
وبحسب ربيحة، فإنّ المعهد يقوم حاليًا بدورات بين المخابر للحصول على الاعتماد الدولي، رغم تسبب تأثيرات وباء كوفيد-19 في تأخير تسليم العينات في وقتها المحدد، ويضيف ربيحة: “المجهودات المبذولة تبقى قليلة في ظل الحاجة إلى الاستمرار في السعي ليكون زيت الزيتون مطابقًا للمواصفات المطلوبة عالميًا، ومرافقة الفلاح وتوجيهه نحو احترام المسار التقني للمنتوج”.

جدل الإنتاج

يقول “أحمد منديل” المدير العام للمعهد الوطني للأشجار المثمرة، إنّ ما هو حاصل من جدل حول نوعية الإنتاج راجع إلى عامل ارتفاع نسبة الماء في الزيتون على حساب الزيت بسبب محدودية الأمطار التي تساقطت في الجزائر خلال الأشهر الماضية، وهو ما أثرّ على مردود القنطار الواحد من زيت الزيتون، فبعد أن كان يمنح من 18 إلى 20 لترًا، صار لا يقوى سوى على توليد 14 إلى 16 لترًا.
وفيما يشدّد مسؤولون في وزارة الزراعة والتنمية الريفية على أنّ 70 في المائة من الزيوت الجيدة، هي المطروحة حاليًا للاستهلاك وهي من النوع الرفيع، بالمقابل، يشير المنتج “رابح زغدود” إلى معاناة وحدته من محاذير الحموضة ووسائل الإنتاج، إلى جانب مرض ذبابة الزيتون “داخوس” التي ساعدت العوامل المناخية على انتشارها بكثرة، وتسببت هذه الآفة بحسب الكثير من المنتجين إلى تلف كميات كبيرة، كما تسبّب تهاون المزارعين في معالجة هذا المرض في بدايته إلى وقوع أضرار كارثية ساهمت في رداءة نوعية الزيت المستخلص منها.
ويقرّ كمال نجمي بانخفاض المردودية بشكل محسوس في كثير من بساتين الزيتون، حيث أنّ عمليات التقليم العديدة على الأشجار المسنّة من أجل تجديدها لم تتمكن على ما يبدو من وقف شيخوختها وحتى عمليات القلع التي تمت على نطاق واسع.
وتعليقا حول سعر اللتر من زيت الزيتون الذي بلغ مستويات قياسية هذه السنة في مقابل عدم تحسن النوعية، يتحجّج المنتج “مصطفى وارث” مثل زملائه بكون معصرته لا توجد بها تقريبا أي كمية من الزيتون المعدّ للعصر منذ بداية الشهر الفائت، بهذا الصدد، يوضح أنّ نسبة الزيتون التي تم عصرها في معصرته أوائل السنة الحالية تعادل 20 % من تلك التي تمت خلال السنة الفارطة.
ويضيف مصطفى: “في الحالات العادية كنت ستجد امام المعصرة أكواما من أكياس الزيتون المعدّة للعصر حسب تاريخ وصولها، وفي مواسم الانتاج الجيدة كما كان عليه الحال السنة الفارطة، ينفذ المخزون بسرعة خلال خمسة عشر يوما فحسب”.

تحفظات المستهلكين

عبثًا يحاول الباعة شمال الجزائر إغراء زبائنهم من خلال إبراز محاسن زيت الزيتون الذي يتم وضعه في اناء كبير شديد اللمعان من الحديد المقاوم للصدأ، لكن الهائمين بهذا النوع من الزيوت وما إن يتذوقوا قليلا من الزيت، حتى يشيرون إلى جودته الناقصة، ويسجّل عبد الحميد أحد هؤلاء، أنّ اللون الأخضر لزيت الزيتون يدل على نوعية أقل جودة مقارنة بالمقاييس المتعارف عليها.
وعلى الرغم من انبعاث روائح قوية لأوراق الزيتون المطحونة، دلالة على كونها طازجة، إلاّ أنّ غالبية المتمرسين من الزبائن يشعرون الباعة بأنّ زيوتهم تحتوي على نسب صغيرة من الحموضة، وهو معطى كان يُفترض معه عدم تسويق هذه الزيوت وعدم توجهيها للاستهلاك، وينصح خبراء باجتناب هذه الزيوت لما تفرزه من روائح قوية وارتفاع نسبة الحموضة بها والتي تتجاوز 3.3.
ويعتبر “حسان” العامل في مؤسسة لإنتاج الزيتون بضاحية البويرة، أنّ ارتفاع الحموضة هو محصلة لعدم توفر ظروف انتاج زيت ذي نوعية، منبّها أنّه يتعيّن على منتجي الزيتون أن يجنوا غلالهم من الزيتون، لما تتخذ اللون البنفسجي، بيد أنّ هؤلاء لا يقومون بذلك في الواقع، إلا عندما تبلغ حبات الزيتون مرحلة متقدمة من النضج، وحتى تلك التي تقع على الأرض والتي تكون مكسوة بالغبار يتم وضعها في نفس الكيس البلاستيكي لأيام عدة إلى غاية انتهاء فترة الجني ليتم نقلها بعد ذلك إلى المعصرة، وخلال هذه الفترة قد تتعرض حبات الزيتون بكل تأكيد إلى التخمّر والتعفن، ما يحول دون الحصول على زيوت خالية من الحموضة بالنظر الى الوقت الذي بقيت فيه حبات الزيتون في الأكياس قبل طحنها.
ومع إبداء الزبائن انزعاجهم الشديد من درجة حموضة زيت الزيتون لهذا العام، إلاّ أنّ تذمرهم الأكبر ينبع من الأسعار التي يحددها من جانب واحد المنتجون والمحوّلون، ويجزم علي، صابر، عامر وفوزي وغيرهم من الزبائن أنّ مثل هذه الأسعار لمثل هذه النوعية المشكوك في جودتها، مبالغ فيها.
ويجد رياض صعوبة في الفهم، طالما أنّه لم يبذل أي شيء، كي يقوم منتجو الزيتون برفع كبير لأسعار زيت الزيتون التي انتقلت من 150 دينار للتر الواحد إلى خمسمائة دينار في الوقت الراهن، علما أنّ جمهور المنتجين لا زالوا يستخدمون وسائل الجني والحفظ ذاتها، تماما مثل التقنيات الزراعية التي كانت تستخدم منذ عشريات خلت.
من جهته، تستغرب جميلة كيف أنّ الانتاج الجيد للسنة الفارطة لم ينعكس إيجابا على انخفاض منطقي الأسعار، ولم تستبعد جميلة أن يكون هناك مخزون زيت لم يتم تسويقه خلال السنة الفارطة، وتتساءل محدثتنا كم ستكون أسعار زيت الزيتون غدا لما تسن أشجار الزيتون وتشيخ ولا تقو على الإنتاج.

طاقة كامنة على محكّ الاستثمار

يرى خبراء بحتمية الانتقال إلى زراعة نوعية خاصة واستخراج زيت الزيتون باستخدام معصرات نقالة، ويوضح “الساسي عمور” بأنّ ذلك من شأنه تثمين الطابع الجبلي في الجزائر وتكثيف زراعة الزيتون سواءً لاستخراج زيت الزيتون أو زيتون الاستهلاك وهو الاستثمار فعّال اقتصاديا، على حد تعبيره.
ويؤيّد عمور مدير محطة المعهد التقني للأشجار المثمرة والكروم، فكرة استحداث تعاونيات تسهّل الحصول على دعم الدولة، وتكفل توظيف تقنيات مبتكرة في مجال زراعة الزيتون، وإعادة تأهيل معاصر الزيتون التقليدية، وإنجاز معاصر حديثة إلى جانب تكثيف وتكييف زراعة الزيتون وإدخال التجهيزات المقتصدة للمياه.
ويوضح “عبد السلام شلغوم” الوزير السابق للزراعة أنّ الاهتمام ظلّ منصبًا على غرس أشجار الزيتون في المناطق السهبية وشبه الصحراوية لتعويض المساحات التي أتلفتها الحرائق، لرفع إنتاج البلاد من زيت الزيتون إلى مستوى كبار منتجي الزيتون عالميًا، من خلال تشجيع المزارعين على الاهتمام أكثر بزراعة الزيتون، حتى يتحقق الاكتفاء الذاتي والنوعية الجيدة.

جرعة أمل مرهونة بمراجعة نمط التصدير

رغم كل نقاط الظلّ، يقول متعاملون بولايات بومرداس، تيزي وزو، بجاية والبويرة إنّ انتاج زيت الزيتون تضاعف أربع مرات في غضون الأربع سنوات الأخيرة، بحيث قفز إلى حدود 90 ألف طن في فترة وجيزة، وهو ما يعزوه منتجون إلى اتساع المساحات المزروعة التي انتقلت من 100 شجيرة في الهكتار الواحد خلال سنة 2000 إلى 400 شجيرة في الهكتار الواحد خلال الفترة القليلة الماضية.
إلى ذلك، يشدّد متابعون على حتمية مراجعة نمط تصدير الجزائر لزيت الزيتون الذي بقي متواضعًا، رغم حديث الوزراء المتعاقبين عن رفع الإنتاج وطاقة التصدير إلى مستوى دول الجوار كالمغرب وتونس، فكلا الدولتين صارتا تعتمدان على زراعة زيت الزيتون كمصدر مهم لمداخيلهما من العملة الصعبة، على الرغم من أنّ تونس والمغرب لا تتمتعان بالإمكانيات الطبيعية نفسها التي تتوفر عليها الجزائر، ما يقتضي بحسب خبراء تحديث القطاع وزيادة مستوى الاستيعاب العام.
وسعت الحكومة زمن سعيد بركات إلى تحسين نوعية زيت الزيتون، وجرى التلويح بخطة لتوسيع رقعة المساحات المغروسة بأشجار الزيتون، مع الاعتماد على المناطق السهلية بعد أن كان التشجير مقصورًا على المناطق الجبلية.
وبحسب دليل “فلوس أولي”، فإنّ الجزائر تعد من بين 43 دولة في العالم، التي تنتج زيت زيتون صافٍ، كما أشار إلى امتلاك الجزائر حوالي 1868 وحدة لاستخراج زيت الزيتون تعمل حسب النظام التقليدي، في وقت سبق لوفد من رجال الأعمال الأمريكيين أن أبدوا اهتمامهم بالاستثمار في زيت الزيتون الذي يمكن أن يكون له وجود كبير في سوق الولايات المتحدة على غرار زيت الزيتون التونسي.

معضلة الديون وأزمات المعاصر

يشتكي منتجو الزيتون من معضلة الديون المتراكمة التي تطالبهم السلطات بدفعها، وهو أمر يُثقل كواهلهم، لذا يطالب هؤلاء بمسحها خصوصًا وأنّ المسألة أضحت تكبل أفق الكثير من المعاصر، سيما مع اقتران مشكلة الديون مع حتمية سداد أعباء متأخرة تمتد إلى عدة سنوات.
وانتقدت الفدرالية الوطنية لمنتجي الزيتون، إقصاء متعاملي القطاع من القرار الذي اتخذه الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في فيفري 2009، بمسح ديون الفلاحين، ورأت أنّ المُقترح الذي طرحه الوزير السابق رشيد بن عيسى والقاضي بإعادة جدولة الديون “أمر غير مقبول” في ظلّ الضائقة المالية الخانقة التي يشكو منها قطاع واسع من المنتجين.
ويرى خبراء، أنّ أزمة المعاصر وتراجع إنتاج الزيتون في الجزائر، لهما علاقة أيضا بسلسلة الحرائق التي شهدتها البلاد في الأعوام الأخيرة، لا سيما بمنطقة القبائل الشهيرة بكونها المحضن الأساس لهذه المادة الحيوية، وللدلالة على حجم الخسائر المسجلة يكفي الكشف عن أوضاع ولايات تيزي وزو، بجاية، البويرة وبومرداس، التي فقدت مجتمعة نحو160 ألف شجرة بسبب سلسلة حرائق مهولة.

الأيام: كامل الشيرازي

شاهد أيضاً

وصول بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مراكش

وصلت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الاثنين، إلى مدينة مراكش المغربية، لخوض المباراة المرتقبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *