الإثنين 27 سبتمبر 2021

قصور الداي حسين.. 7 أيقونات مجروحة

تترامى في حي حسين داي الشعبي وسط الجزائر العاصمة سبعة من قصور الداي حسين (1765 – 1838 م) آخر حكام الإيالة العثمانية بالجزائر، لكنّ هذه القصور التي تلاشت معالم ثلاث منها بالكامل، باتت شاهدة على جروح الذاكرة، رغم القيمة الحضارية لهذه الأيقونات التراثية التي صارت أقرب إلى الأساطير المنسية.

“الأيام” تقترح عليكم هذه الجولة وسط أطلال القصور الأربعة الصامدة أمام رياح التحوّلات المتسارعة المتشامخة كشواهد على عظمة بلد وصفه أحد المستشرقين الفرنسيين بكونه قطعة من الجنة.

يشير “مراد ملايكة” ابن حسين داي إلى أنّ القصور التي شيّدها الداي ولا تزال قائمة هي تواليًا: قصر بلكين، البيت الريفي، قصر ناربون، وجنان الدمرجي، بينما تلاشت ثلاثة من القصور الأخرى في ظروف لا تزال مبهمة، وهو وضع لا يختلف عن الحالة المأزومة لقصر الداي في أعالي حي القصبة والشهير بمسمى “قلعة الجزائر”. 

ويشرح من تحدثوا لـ “الأيام” أنّ تلك القصور هي بيوت واسعة الأدوار ظلت مأهولة في الفترة ما بين 1770م إلى غاية الاستدمار الفرنسي للجزائر، علما أنّ المحتل القديم حوّل غالبيتها إلى ثكنات.

قصر بلكين

يعدّ قصر “بلكين” الأجمل وهو عبارة عن قطعة أثرية فريدة، ويتميز بأشكاله الملتوية ومواد بناءه المحلية والتقنيات الضعيفة التي ترمز إلى مجتمع تكيف بالوسائل البسيطة مع كافة متغيرات المناخ.

وجرى بناء القصر إياه بطوب الطين السميك الذي يصفف على عرض 4 وحدات من الطوب ما يزيد من عرض الحائط ليصل المتر في بعض الأحيان، ومن شأن هذه الميزة بحسب مهندسين معماريين، أن تقلل من تأثير العوامل الجوية الخارجية من حرارة وبرودة مقارنة بالنمط المعماري الحديث، علما أنّ القصر على غرار ما هو معروف بمناطق صحراوية وشبه صحراوية أخرى في الجزائر، يحتوي على نوافذ صغيرة لا يتعدى طولها وعرضها الخمسين سنتيمترا.

قصر بلكين حُوّل بعد الاستقلال إلى معهد إسلامي ثم إلى ثانوية، حيث حولت غرف القصر إلى قاعات دراسة، وهو تحفة فنية رائعة خاصة الأسقف المرسومة، وفيه أيضًا غرفة خارجية مصنوعة من جذوع الأشجار، ويقول نبيل بشأنه: “داخله كنا ندرس صف الرسم، لكن للأسف تدهور حاله خاصة بعد زلزال 1989”. 

البيت الريفي

شيّد الداي حسين هذا القصر سنة 1821 على قطعة اشتراها آنذاك على مستوى ضيعة تعرف بـــ”بيجي كو”، ولا يزال هذا الاسم قائما إلى حد الآن، ثم ضمّ قطعة مجاورة، وخصّص الداي حسين هذا القصر لقضاء أوقات فراغه حتى أخذ مسمى “البيت الريفي”.
أثناء الاحتلال الفرنسي وبالتحديد سنة 1839، شيّدت بجوار القصر مجموعة من الأكواخ والاصطبلات ضمت 290 رجلا و280 حصانا، بعدها حوله اللواء الحاكم العام الى سكن لفيلق الخيالة ولأجل ذلك أحضر بيوت خشبية من فرنسا ضمت 800 جندي و460 حصانا، وحُوّل القصر لاحقا إلى مصنع للتبغ، قبل أن يتم إعادة بعثه كمقر مؤسسة بنفقة 800.000 فرنك.
بعد الحرب العالمية الثانية، جرى تحويل القصر مجددا إلى ثكنة عسكرية للشرطة الفرنسية، الى غاية 1962، ليصبح بعد الاستقلال الى مدرسة للشرطة الجزائرية، وفي سنة 1966 ألحق بثانوية عائشة أم المؤمنين، ثم جرى ضمّه إلى ثانوية الثعالبية.

وبُني “البيت الريفي” على مساحة مستطيلة الشكل طولها 40.65 م وعرضها 25.37 م، تحيط به حدائق خلابة، ويتكون المبنى من طابقين أرضي وعلوي على صحن مربع وحديقة واسعة داخل القصر من الجهة الشمالية بها أشجار حمضية وكروم العنب، أما بالخارج فزين بأشجار المطاط وبعض النخيل.
ويتكون الطابق الأرضي من أربعة غرف، وسقيفة تؤدي الى الحديقة، ومطبخ، في الجهة الشمالية يوجد بيت المؤن ورواقين متعامدين على ضلعي الحديقة.
أما في شمال الحديقة فتقع مرافق القصر من غرفة الاحتياطات، المطبخ الصيفي، مغسل الثياب والذي يضم بئرين ما زالا يمدان بالماء ليومنا هذا، وتتمظهر غرف هذا الطابق بشكلها المستطيل وسقفها المشيّد من أخشاب الأرز، وبكل غرفة كوة تستعمل كخزانة.
أما الطابق العلوي فيضم خمس غرف كبيرة، بنوافذ مسيجة، وطرأت عدة تغييرات على الهندسة والتزيينات الداخلية للقصر، حيث أزيل الدربوز المثبت على صحن الطابق الأول والأبواب والنوافذ وكذلك تم اضافة بيت لرمي القمامة. 
وجرى تصنيف البيت الريفي في العشرين ديسمبر 1979 كمعلم تاريخي. 


محل الصيد وجنان الدمرجي 

يبرز قصر ناربون الذي اتخذه الداي محلا للصيد، ويتألف من قسمين: الأول عتيق جدا، وهو في حالة ترميم، وقسم حديث معدّل، وهو ما يؤكد بأن القصر يعود للفترة العثمانية، لكن لحقته عملية توسيع وأضيف له قسم جديد، وكان الداي يقصده لقضاء أوقات فراغه وممارسة هواية الصيد.
ويشير باحثون إلى قصر “جنان الدمرجي” وعمره يربو عن 787 سنة، وهو عبارة عن مجموعة سكنية مكونة من ثلاثة كتل مستطيلة، تعرّض جزء منها الى ترميم خارجي.
ويلاحظ زوار قصر الدمرجي الذي جرى تحويله إلى مساكن فردية قبل ثلاث عشريات، الأسقف المغطاة بطبقة سميكة ما يحجب رؤية السماء إلا في حالات نادرة، ويقول فريد (39 عامًا) أنّه يواظب على زيارة قصر الدمرجي منذ استكشافه قبل 27 سنة، بينما يبدي ناصر وحمزة وأحمد استياءً للحالة المزرية التي يتواجد عليها القصر الآيل في مجمله إلى الانهيار بسبب عدم الاعتناء بهذا المعلم.

وبعدما أقدم فريق من السكان على الإقامة بالقصر، دفعت حالته الكارثية بغالبية من كانوا يسكنون فيه إلى مغادرته قبل عقد ونيف، بالرغم من وجود ورشة بالموقع أوكلت لها منذ عشريتين مهمة الترميم، إلاّ أنّ أغلب وحداتها السكنية مهددة بالانهيار لقدمها وتآكلها.

ويعلّق متابعون أنّ القصور أصبحت في معظمها غير قابلة للترميم جرّاء ما آلت إليه من تدهور، في وقت يتمسك غيورون بحتمية الحفاظ على هذا التراث المعماري ويطالبون باهتمام كاف لابتعاثها مجددا.

مجالس إبداع

يشير الباحث “جميل جريد” إلى أنّ القصور، ظلّت مسرحًا لمجالس الشعر والفكر وسائر الشؤون العامة، وتؤكد الباحثة “سناء عديّل” أنّه بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر، كرّس الفرنسيون استيطانهم بأحياء محاذية لتلك القصور، في حين يشير الأستاذ “أحمد بونصلة” إلى إنشاء الفرنسيين ساحة حتى تكون فاصلا بين كل قصر ودائرة عسكرية.

وبرأي المهندس المعماري “جميل جريد” فإنّ الغرض من إنشاء هذه النوافذ ليس التمتع بالمناظر الخارجية أو الضوء بل للتهوية أثناء فصول الشتاء والربيع والخريف ونادرا ما تفتح في الصيف، ومن ميزات قصور حسين داي أنها تحتوي على سقيفات بطريقة تقليدية حيث تبرز في بعضها آثار الخشب المملوء بالتراب ما يدل بمنظار مختصين على أن طريقة السقف التقليدية المكونة من أعمدة العرعار والقش والتراب تحفظ درجة الحرارة المعتدلة داخل البيت، بحكم أنّ السقف يمتص الهواء الساخن.

وأبرز العم “لونيس” أنّ هذه القصور ظلّت توفّر هدوءً وراحة لمن يقصدونها بغرض التمتع بقيلولة أو البقاء لمدة أطول تدوم ليالي وأياما بالنظر إلى الجو المنعش داخل المكان واتسامه بانخفاض في درجة الحرارة، حيث لاحظ محمد (43 عاما) أحد المهووسين بما تبقى من القصور، أنّ الحرارة هناك لا تتعدى حدود 15 درجة.

ويعزو المهندس “جمال كسري” السر في فارق درجة الحرارة بين الداخل والخارج، إلى النمط المعماري الذي رُوعي فيه علو الحيطان وبُعد السقف عن أرضية البيت، ما يجعل الهواء الساخن يبقى مكثفا بأعلى البناية بعيدا عن أرضيتها.

وكان لدى الداي حسين برج مراقبة كان يعتبر تحفة معمارية آنذاك الى درجة انه كان يسمى (الحصن البديع) ولا تزال بقايا هذا البرج أو الحصن داخل ثكنة عسكرية في حي بلفور بالحراش، وعند دخول فرنسا غيّرت اسمه إلى (maison carrée) لكنها “أرشفت” اسمه الأصلي بالفرنسية (HESSEN BADI).

وفي مطلع التسعينات مع اعادة تسمية الأحياء باسمها الأصلي، ترجم كالتالي “حسن بادي”، ويعتقد الناس أنه اسم شهيد، وهو ليس كذلك كما هو الشأن لولاية النعامة واسمها الأصلي هو “النعمة” (an-naama) ترجمت بنطقها الفرنسي “النعامة”.

قصر خداوج العمياء.. الاستثناء 

يعد القصر الأثري العتيق “خداوج العمياء” الاستثناء، حيث نجا من التشويه، ولا يزال يتموقع تحفة خالدة وأسطورة حية، وإحدى الروائع المعمارية النادرة التي تتلألأ قبالة الواجهة البحرية الموروثة عن العهد العثماني، ورغم مرور خمسة قرون طويلة على بنائه أول مرة من قبل البحار التركي الشهير “خير الدين بربروس” في ربيع 1546، إلاّ أنّ أعمدته وأقواسه وفوانيسه لا تزال متشامخة كالطود العتيق على هامة مدينة الجزائر، كتاج يرصّع بلاد الولي الصالح ” عبد الرحمن الثعالبي”.

وتفيد بحوث تاريخية، أنّ الخزناجي “حسن باشا” وزير التجارة في الدولة العثمانية في القرن السادس عشر، اشترى القصر المذكور، وقام بإهدائه لابنته الأميرة الكفيفة “خداوج” ومن يومها أخذ القصر اسم “خداوج”، هذا الأخير كنية مشتقة من اسم خديجة، ولا تزال هذه الكنية تلقى استحسانا كبيرا لدى سكان القصبة، والعاصميين لحد الآن، حيث يعمد الكثير من الآباء وحتى الأزواج يطلقون خداوج على أحب بناتهم ونساءهم.

وتروي أسطورة قديمة، دأب السكان على نقلها للأجيال المتعاقبة، أنّ الأميرة “خداوج” كانت فتاة باهرة الجمال والحسن، وفقدت بصرها لإفراطها في استعمال الكحل، وكانت معجبة كثيرا بنفسها، لذا أنفقت الساعات الطوال تتملى جمالات وجهها في المرآة، وبعد أن فاضت روح “خداوج” إلى بارئها، عادت ملكية الدار لإبني شقيقتها “عمر” و”نفيسة”. 

وفي عام 1783، استأجر القصر، تاجر يهودي ثري ومفاوض بارع يدعى “ميشيل كوهين باكري”، قدم من مدينة جنوة الإيطالية، للإقامة مع أسرته في قصر “خداوج”، وبعد أن استقر به المقام في المدينة، زادت ثروته بشكل مدهش من معاملاته التجارية، لكن بعد دخول المحتلين الفرنسيين إلى الجزائر في 5 جويلية 1830، وقع الاستيلاء على القصر بعد أن تم تعويض ملاّكه بمال زهيد ليصبح قصر “خداوج” فيما بعد مقرًا لأول بلدية فرنسية في مدينة الجزائر، وبحسب المؤرخين فان الغزاة لما دخلوا المدينة من الغرب، أفسدوها، وتركوها تصارع أعمال النهب والسرقة مدة ثلاثة أيام كاملة، وما يؤكد هذا الكلام، هو اختفاء بعض التحف النادرة التي كان عدد من المؤرخين والرحالة الذين زاروا المدينة قبل سقوطها، شاهدين عليها، ومن المفارقات أنّ “عزيزة” وهي حفيدة التاجر اليهودي “باكري”، عملت مترجمة لدى الحاكم الفرنسي، واعتادت الطائفة اليهودية بالجزائر، على منح ولائها للفرنسيين بعد سقوط الدولة، وظهر ذلك جليا من خلال هرولتهم للتجنس بالجنسية الفرنسية خلافا للسكان الأصليين من العرب والبربر، وعرف القصر منذ ذاك الوقت عديد التحويرات والترميمات، أخذت شكلا مغايرا بعد استقلال الجزائر في الخامس جويلية 1962.

ويتكون قصر “خداوج” من ثلاثة طوابق، أولها أرضي يقودك إليه درب صغير موشّى بجداريات من الرخام المزخرف، أما الطابقان الثاني والثالث، فتعثر فيهما على مشربية السلطان، وطقما كاملا من غرف النوم والاستراحة وكذا الحمامات، وتتوسط الدار، مثلما هو حال جميع دور المدينة، صحن طويل بنسق فناء شاسع تزينه فصيلة من الأقواس الرخامية أبدعت الأنامل التركية في بسطها ورصّها، لتعانق نوافير يتسلل منها ماء زلال يشفي الضمآن.

ولأنّ القصر درّةً حية تخلب العقول، ووهج متأجج يأسر العيون في الجزائر، فقد اختاره ملك فرنسا “نابليون الثالث” وزوجته “أوجيني” اعتبارًا من عام 1860، مقامًا لهما، بين مئات القصور التي كانت تعج بها القصبة خلال القرن التاسع عشر.

ويقع القصر الذي حوّل إلى متحف للفنون الشعبية على مستوى الهضبة الجنوبية للضاحية المسماة ” سوق الجمعة “، أين يطل عليك قصر “خداوج” الذي ينتصب فوق كوكبة من الدور والقصور التي بناها الأتراك القدامى على شاكلته.

وأصل حكاية ” سوق الجمعة “، الذي هو عبارة عن تعاريج ضيقة، تحيط به منازل الأهالي وقصور أعيان المدينة السابقين، أنّ هذا المكان اشتهر بكونه ملاذا للكثيرين من عشاق الطبيعة، لذا اتخذّ فضاءا لعرض وبيع مختلف أنواع الطيور النادرة وكذا الحمائم والعصافير المغردة، كل يوم جمعة اعتبارا من ظهور أولى خيوط الفجر إلى غاية ارتفاع صوت المؤذّن إيذانا بقرب خطبتي وصلاة الجمعة، وكانت زنقة سوق الجمعة الأرقى في العاصمة، لقربها من قصر الحاكم “الجنينة”، ولمجاورتها قصور الأعيان الواقعة على جانبي زنقة “العرايس”، ولا تزال تستقطب لغاية اليوم، عديد الزوار والتجار والفضوليين.

الأيام: كامـل الشيرازي 

شاهد أيضاً

وصول بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مراكش

وصلت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الاثنين، إلى مدينة مراكش المغربية، لخوض المباراة المرتقبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *