الجمعة 3 ديسمبر 2021

لؤلؤة التاريخ تحلّق في التراجعات.. قسنطينة وأسرار الأبواب السبعة

تبدو مدينة قسنطينة كتمثال رخامي جاثم على هامة الصخر العتيق، إذا ما حفّ بها الضباب، وتتمظهر كقلعة هاربة فوق أكتاف السحاب في الأيام الممطرة، هكذا يحلو للهائمين بمدينة العلم والعلماء، وصف قسنطينة باللؤلؤة التاريخية الثرية والمدينة المتفردة لكونها الوحيدة في العالم التي بُنيت على صخرة كبيرة ما جعلها تكنّى بـ “مدينة الصخر العتيق”، فيما يستغرق أهلها في حلم لا متناهي، تقودكم “الأيام” في هذه الجولة لمعانقة معالم وروافد عاصمة “نوميديا” التي تتخبط في التراجعات رغم اكتنازها أسرار الذاكرة الجمعية الوطنية. 

يقول مؤرخون إنّ مدينة قسنطينة تأسست سنة 1450 قبل الميلاد وهناك من يرجع نشوئها إلى قبل ذلك بكثير، وسُميت قسنطينة نسبة إلى الإمبراطور الروماني “قسطنطين” الذي حكم المدينة بمفرده من سنة 324 ميلادي إلى 337 ميلادي ومنح اسمه لها منذ ستة عشر قرنا، كما كانت قسنطينة قديما تسمى “قيرطا”، بعد أن نزح إليها بنو كنعان من فلسطين حوالي سنة 1300 قبل الميلاد وامتزجوا بقدماء النوميديين -سكان المغرب الأوسط- وقتئذ.

وتعاقبت على قسنطينة العملاقة خلال 17 قرنا، عدة حضارات وأقوام من البونيقيين والنوميديين والبيزنطيين إلى الوندال والرومان ثم الفتوحات الاسلامية والوجود التركي في الجزائر، وتولى حكم قسنطينة كوكبة من الشخصيات التاريخية، اعتبارا من سيفاكس الحاكم الروماني، مرورا بماسينيسا الحاكم النوميدي ويوغرطة حاكم قرطاجة، وصولا إلى القائد التركي الشهير “.”صالح باي

وظلت قسنطينة لمدة طويلة صعبة المنال على الفرنسيين الذين لم يستطيعوا إخضاعها إلاّ سنة 1838، وتميزت في الفترة الإسلامية بالرفاهية نظرا لتموقعها على المحور التجاري “شرق-غرب” الممتد من “فاس” بالمغرب الأقصى إلى غاية “مكة المكرمة” (العربية السعودية)، كما كان عمرانها على النمط الإسلامي في تلك الفترة وكانت فضاءاتها الضيقة مستغلة أحسن استغلال.

وأكثر ما يشدّ الزائر الى مدينة قسنطينة تلك الأقواس الرومانية التي مازالت تتوسط المدينة والتي يمكن رؤيتها في كل زوايا المدينة، علما أنّ هذه الأقواس تعود الى العهد الروماني، كما تتميز قسنطينة باحتضانها العديد من الأحياء القديمة بينها “القصبة” و”سوق العصر”، وبالرغم من اهتراء المنازل القديمة والأسوار المتداعية، إلاّ أنّ السكان المحليين مازالوا متشبثين بديارهم ويرفضون مجرد التفكير في مغادرتها.

وتستوعب قسنطينة أيضا مدينة عتيقة تسمى “السويقة” وهي منطقة تقليدية ذات شوارع ضيقة بنيت بالحجارة الملساء، وتذكّر السويقة المتجوّل فيها بالمدن القديمة في مختلف الدول العربية، وتعرف السويقة بحي “القصبة” العتيق الذي بناه الأتراك وهو يشبه الى حد بعيد حي القصبة الذي ينتصب في شموخ بأعالي الجزائر العاصمة.

“الجايبة” و”الواد” و”الحنانشة” و”القنطرة” و”الرواح” 

تترأى مدينة قسنطينة كقلعة محصنة بسور تتخلله سبعة أبواب، جميعها تُغلق في المساء، ليعاد فتحها مع فجر اليوم التالي، أعلى هذه الأبواب يسمى “باب الجابية” يقع على ارتفاع 510 متر، يقول الشيخ الجليل “أحمد” (86 عاما) إنّ عموم النسوة والعائلات المقيمة بالحواضر كنّ يدخلنّ قسنطينة عبر هذا الباب ليزرن مقام الوليّ الصالح سيدي راشد.

وخلف باب “الجايبة”، هناك باب “القنطرة” الذي يمثل همزة الوصل بين وسط المدينة وضفّتها الجنوبية، فيما يتخذ باب “الواد” من طرف الوافدين حيث يمكّنهم من دخول الروابي، بينما يسمح باب “الحنانشة” بالذهاب إلى الينابيع التي تصب في أحواض مسبح “سيدي مسيد” المعروف، كما أنّ هناك باب “الرواح” الذي يوصل قاصديه إلى منابع “سيدي ميمون” التي تصب في المغسل الشمالي لقسنطينة، وبمحاذاته نجد باب “الجديد” الذي جرى استحداثه سنة 1925 من طرف المحتلين الفرنسيين.

وإلى جانب الأبواب الستة المذكورة، يتموقع باب “سيرتا”، ويراه أكثر أبناء قسنطينة “سرا غامضا”، حيث أنّه لا يزال موصدا في وجه قاصديه ولا يعلم أحد ما يوجد خلفه، وتوضح الباحثة “بسمة خيواني” أنّ هذا الباب الذي اكتشف قبل 86 عامًا، تقول وثائق تاريخية أنّه كان باب المدينة الأول واتخذه قدماء الرومان معبدا.

أسطورة الصخر وهندسة الجسور 

تبدو قسنطينة من بعيد ككتلة صخرية تربط بين تجمعاتها السكانية ثمانية جسور معلقة بنيت بشكل هندسي أسطوري إبان فترة التواجد العثماني بالجزائر وكذا حقبة الاحتلال الفرنسي، وعلى هذه الخلفية تسمى قسنطينة بـ “مدينة الصخر العتيق” و”عاصمة الجسور المعلقة”.

 ويتصدر جسور قسنطينة “جسر باب القنطرة” الذي بناه الأتراك عام 1792 وهدمه الفرنسيون ليبنوا على أنقاضه الجسر الحالي سنة 1863، وليس بعيدا نلمح “جسر سيدي راشد” الذي أنشئ العام 1912، و(يتبختر) هذا الجسر بأقواسه الـ27 يبلغ قطر أكبرها 70 مترا وبعلو مقدّر بـ 105 أمتار وطول 447 مترا وعرض 12 مترا.

 في الجهة المقابلة، هناك ” جسر سيدي مسيد” الهائل صاحب 98 سنة من الوجود، يقدر ارتفاعه بـ 175 مترا وطوله بـ 168 مترا وهو أعلى جسور المدينة، وبجانبه “جسر صلاح سليمان” وهو ممر حديدي خصص للراجلين فقط يبلغ طوله 125 مترا وعرضه مترين ونصف المتر، وبجوارهما جسر “الغنم” الضيق والأحادي الاتجاه.

 سوق العصر 

 على منوال المدن الكبيرة، تمتلك قسنطينة سوقا تاريخية تسمى “سوق العصر” يمكن لقاصديها اقتناء ما يريدون من الخضر والفواكه والأقمشة والأدوات المنزلية والملابس والأحذية، وتقول حكايات أهل الحارات هناك أنّ تسمية “سوق العصر” تجد تفسيرا لها في توقف جميع التجار عن أنشطتهم فور سماعهم آذان العصر، والمثير في الموضوع أنّ أولئك التجار يتركون بضائعهم لكي يقتات منها الفقراء والمساكين، وهو ما جعل مغنين شعبيين وعمداء فن “المالوف” الأندلسي الذائع الصيت في قسنطينة يرددون في استخباراتهم أنّ “سوق العصر حبيب المسكين.

 وتتميز الحياة الاجتماعية بقسنطينة، بمحافظة نساءها المخضرمات على ارتداء الملايات السوداء، رغم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المحلي، وتقول الحاجة خيرة (84 سنة) أنّ الملاية السوداء انتشرت بعد رحيل الحاكم التركي الشهير “أحمد باي” قبل نحو مائتي سنة، حيث من فرط حزن أبناء المنطقة على فقدان ذاك الحاكم المحبوب لديهم، قررت النسوة ارتداء الملاية السوداء تعبيرا عن حزنهنّ، واستمر الأمر على ذلك الحال إلى غاية الآن.

وتشتهر قسنطينة بموائدها التقليدية التي تقترح على زائريها كوكبة من الأطباق والأكلات الشعبية على غرار “شربة الحمص بلحم الأرانب”، والحريرة وغيرهما.

المسجد الكبير.. عراقة 9 قرون 

يعتبر الجامع الكبير بقسنطينة من أشهر مساجد الجزائر، أنشأه محمد أبو علي البغدادي في عام 513 هجري الموافق لسنة 1136 ميلادي أيام حكم الدولة الصنهاجية الحمادية بالجزائر وتونس، وجرى جلب دعائمه الرخامية وأهم مواد بنائه من ايطاليا، كما أنفق عليه أموالا طائلة، وبحسب المحقّق الجزائري عبد الله بوفولة، فإنّ الجامع الكبير جرى إتمام بنائه قبل نحو تسع قرون، لكن الباحث جورج مارصي في كتابه” تاريخ الفن الاسلامي المعماري” ذهب إلى أنّ تاريخ الجامع الكبير مجهول، حتى وإن كان هذا المسجد موجودا في القرن السادس الهجري حسبما دلت عليه كتابة عربية عثر عليها أثناء عمليات التغيير التي أدخلها الفرنسيون عليه. 

ويقع الجامع الكبير ببطحاء السويقة وسط قسنطينة، وترتفع منارته إلى حدود 133 درجة، لذا تظهر المدينة من أعلى المنارة في أبهى حلة وأجمل مظهر، وذكر المؤرخ الجزائري علي النبيري أنّ هذا الجامع اتخذ من طرف العالم الشهير ورائد النهضة الجزائرية الحديثة عبد الحميد بن باديس (1889- 1940) مقاما لإلقاء دروسه، وشكّل على مدار تاريخه الطويل الحافل، قبلة للعديد من مشاهير العلماء، بينهم الشيخ المكي البوطالبي، والشيخ محمد الشاذلي، والشيخ عبد القادر المجاوي والشيخ حمدان الونيسي، وغيرهم من المتأخرين كالشيخ مرزوق بن الشيخ الحسين وكذا العالم المصري الراحل محمد الغزالي والشيخ الداعية يوسف القرضاوي اللذان واظبا على إلقاء دروس بالمسجد الكبير في أواسط ثمانينيات القرن الماضي. 

قصر “الباي”.. اللوحة التركية الخالدة

يعد قصر الباي الذي يتوسط مدينة قسنطينة، إحدى الروائع الحية، حيث يبحر القصر العريق بزائريه في سفرية شائقة عبر الزمن، ويتموقع قصر الباي كتاج يوشّح “قسنطينة”، مثلما يعتبر شاهدا حيا عن الحضارة العثمانية وما تركه حكامها بالمدينة المشتهرة بجسورها المعلّقة وصخرها العتيق.

ويقول مؤرخون أنّ “أحمد بن محمد الشريف بن أحمد القلي” وهو آخر البايات العثمانيين (1786- 1850م)، كلّف كوكبة من أمهر المهندسين العام 1825م ببناء هذا القصر، واستمرت أعمال البناء قرابة العشر سنوات، ليفتتح في خرف سنة 1835م، بيد أنّ مُقام أحمد باي بالقصر لم يتجاوز السنتين، بعدما سقطت قسنطينة بيد المحتل الفرنسي العام 1837م، وقام قائد الجيش الغازي الماريشال “كلوزال” بتحويله إلى مقر له، ويفيد رواة أنّ هذا الصرح المعماري طالته “تشويهات كثيرة” إبان فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر التي استمرت لما يزيد عن قرن ونيف.

قصر الباي صرح عملاق يمتد على مساحة قدرها 1600 متر مربع، يتميز بنقوش شاهدة على بهاء فن العمارة العثماني، من خلال ثراء تنوعه الهندسي والزخرفي، يشتمل طابقه الأرضي على حدائق وفناءات رحبة، ويحتوي على 121 غرفة و500 باب ونافذة مصنوعة من خشب الأرز المنقوش بمهارة، تم طلاءه بالألوان الحمراء الخضراء والصفراء، كما يلاحظ المتجول في ردهات القصر، التصميم البديع لطابقه السفلي، أين يوجد ما لا يقلّ عن 27 رواقا يسمح بمرور تيار الهواء والنسمات المنعشة في فصل الصيف، و250 عمودا من الرخام جيء بها من مناطق متوسطية مختلفة.

ويتميز قصر الباي بفنائه الرئيسي الذي ظل يتحدى عوامل الطبيعة والزمن، ويحاط هذا الفناء بخمسة أقواس، وبحسب الباحث “عبد العزيز بجاجة” فإنّ هذا الجزء كان يسمى “دار أم النون” حيث سكنته أم أحمد الباي، لكنّه بمرور السنين تحولت “دار أم النون” إلى مركب جميل يضم حدائق غناء مفتوحة يتوسطها حوض كبير كانت تستحم فيه النساء بالمياه الباردة المتدفقة من أعلى القصر، مشكّلة شلالات تصب في كؤوس كبيرة ذات أحجام متميزة، جرى نحتها وصقلها كمزهريات ذات التواء متناغم. 

وتشير وثائق متوفرة في المركز الوطني للأرشيف أنّ خزان المياه الذي يقع أسفل القصر، كانت تعيش فيه أسماك صغيرة مزدهية بلونها الأحمر، وحُظيت تلك الأسماك باعتناء خاص من طرف نساء القصر، وإذا ما توجّه الزائر نحو الطابق العلوي، يلاحظ سلما يؤدي إلى فناء محاط أيضا بأروقة ذات أقواس، ويحتضن الفناء سلسلة من الشقق تحتوي على أثاث قديم، وبالجوار فناء آخر مبلط بالرخام ومزين بأعمدة على درجة عالية من الجمال، تطرّز حدائق غنّاء بشجر البرتقال والنباتات الزهرية، وفي الأعلى غرف رحبة بجوارها حمام ذي هندسة مغاربية كان مخصصا للباي ولخدمه من النساء، وفوق هذا الحمام المغاربي لا تزال عدة عصافير وبلابل وغيرها من الطيور المغردة تنصب أعشاشها هناك. 

ويمكّن القصر مرتاديه، من العودة إلى الماضي والتمعن في أحداث ووقائع تاريخية مختلفة مثل المعارك التي خاضها الباي أحمد إلى جانب آخر دايات الجزائر “الداي حسين”، وتؤرخ اللوحات المزينة لجدران القصر، للسفريات التي قام بها الباي أحمد إلى الشرق الأوسط ومكة المكرمة.

وحرصا منها لجعل قصر الباي متحفا حيا للفنون والعادات، وإبرازه كفضاء تاريخي راق يخلّد مآثر تاريخ الجزائر، بدأت السلطات الجزائرية أشغال ترميم موسّعة، دون إفقاده روحه ولمسة مصمميه الأوائل، بعدما ظلّ هذا الصرح المعماري المستلهم من أساطير الشرق عرضة لإهمال مزمن، ما أوصله إلى حالة من التدهور تسعى جمعية أصدقاء قصر الباي لتداركها.

حتمية مد الجسور 


يلاحظ على شباب قسنطينة نقص معرفتهم لتاريخ مدينتهم وتجاهلهم له رغم تاريخها العريق الحافل بعديد الحضارات التي تعاقبت عليها على مر العصور من عهد الرومان إلى الأتراك، ويشتكي شباب المدينة حاليا من ضيق المساحة وعدم وجود فضاءات للترفيه والتعبير، ويشير ناجي (33 سنة) إلى “الاختناق” الذي أصبح يطبع المدينة، ما يجعله يفضل رفقة اصدقائه اللجوء إلى فضاءات الانترنت بحثا عن اتصالات مع العالم الخارجي.

 ويقول كريم (35 سنة) بأنه لم يسبق له أن طرح أسئلة عن أسرار مدينته وهيكلتها الحضرية الخارقة للعادة، مضيفا: “كبرت في قسنطينة بدون فضول لم أطرح يوما أسئلة حتى حول الأسماء الفرنسية للشوارع لأنني وجدتها كما هي والحقيقة أنه لم يسبق لأحد وأن كلمني في هذا الشأن”.

وتحمل هذه “التسميات الغريبة” التي يتحدث عنها كريم في ذاتها تاريخ المكان، كما هو الحال بالنسبة لساحة الشهداء المعروفة محليا بـ “لابراش” وهي كلمة فرنسية تعني “الثغرة” حيث أن الجيش الفرنسي صنع ثغرة في الحائط لتحصين قواته بالمدافع.

قسنطينة أصبحت اليوم لا تستجيب لاحتياجات الشباب، وهو رأي يؤيده ناصر وبلال اللذان يتفقان في كون قسنطينة مدينة لا تتوفر فيها شروط الراحة، فالشوارع “ضيقة” والمنازل “صغيرة” فضلا عن “الفوضى” التي تطبع تنظيمها الفضائي والاقتصادي، بعدما كانت في الماضي مدينة جذابة تعيش على إيقاع المالوف وضربات أرجل الخيول وهي تجر عربات تقليدية.

من جهتهم، يتفق مراقبون على أنّ قسنطينة لم تتكيف مع التطور الحاصل الذي شهدته خاصة من حيث احتياجات السكان، كما أنّ التغييرات التي قام بها قدماء المستوطنين الفرنسيين كانت وفق نمط حياتهم وقيمهم الأخلاقية والاجتماعية، وبحسب عدد من المختصين في المعمار، فإنّ المنازل لا تزال “صغيرة جدا” ولا يتعدّ علوها الطابقين وتحتضن بداخلها عائلات كثيرة العدد، ما يدفع ساكنيها إلى إحداث تغييرات عليها بهدف استثمار فضائها الساحر.

الأيام: كامل الشيرازي 

شاهد أيضاً

وصول بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم إلى مراكش

وصلت بعثة المنتخب الوطني لكرة القدم اليوم الاثنين، إلى مدينة مراكش المغربية، لخوض المباراة المرتقبة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *