الإثنين 27 سبتمبر 2021
إيمانويل ماكرون

لدى ماكرون ما يقتات عليه في حملته الانتخابية المقبلة: “ملف الذاكرة”

يتحمل المؤرخ بنجامين ستورا المسؤولية “كاملة” فيما يتعلق بـ”التملص المشين تاريخيا وسياسيا” لفرنسا الرسمية التي تمتنع عن إبداء أي ندم وترفض تقديم الاعتذار للجزائر مستبعدة الاعتراف بجرائمها – ضد الإنسانية، فيما تواصل قوى ضاغطة داخل الجيش الفرنسي العمل على منع إتاحة الاطلاع على الأرشيف الذي يكشف حقيقية الاستعمار الدموي من 1830- إلى 1962، وبالمقابل فإن الرئيس إيمانويل ماكرون سيقتات على ملف الذاكرة بطريقة يرضي من خلالها الناخبين الأكثر تحفظا بهدف الحصول على عهدة رئاسية ثانية في 2020.

وفي هذا الصدد أكد عالم السياسة والأكاديمي الفرنسي أوليفيي لو كور غراندميزون أن مسؤولية المؤرخ بنجامين ستورا “كاملة” فيما يتعلق بـ”التملص المشين تاريخيا وسياسيا” لفرنسا الرسمية التي تستبعد أي اعتراف بجرائم الحرب ضد الإنسانية “التي ارتكبت في الجزائر إبان الاستعمار (1830-1962) فيما اعتبر الباحث في التاريخ جيل مانسيرون أن ردة فعل فرنسا عقب تسليم تقرير ستورا أمرا “مقلقا”، وبشأن منع إتاحة الاطلاع على الأرشيف أشار مانسيرون إلى وجود قوى داخل الجيش الفرنسي وراء “الانسداد” في هذه القضية.

وفي حوار خص به وكالة الأنباء الجزائرية الثلاثاء 26 جانفي أكد أوليفيي لو كور غراندميزون أنه “إذا استبعدت فرنسا والرئيس الحالي للجمهورية (إيمانويل ماكرون) أي اعتراف بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت خلال 130 عاما من استعمار الجزائر فذلك أيضا لأن تقرير المستشار المؤرخ بنجامين ستورا يسير في هذا الاتجاه”.

وجاءت تصريحات المؤرخ كرد على موقف فرنسا الرسمية التي استبعدت أي شكل من أشكال التوبة أو الاعتذار عقب التقرير حول الاستعمار الذي سلمه له ستورا يوم الأربعاء الماضي إلى الرئيس الفرنسي.

واعتبر لو كور غراندميزون أنه “من هذه الناحية، فإن مسؤولية ستورا كاملة لأنه – مثل كل أولئك الذين يرفضون خوض هذا النهج الضروري لإظهار العدالة والمساواة والحقيقة – يقدم لإيمانويل ماكرون العديد من الحجج لتبرير هذا التملص المشين تاريخيا وسياسيا مرة أخرى”.

وأضاف: “يندرج في إطار استمرارية السياسة الفرنسية في هذا الشأن والبرنامج الخاص بالذاكرة الذي أعده ستورا لا يغير في الأمر شيئا”، مشيرا إلى أن “بعض التقدم المتواضع الذي تم إحرازه بشكل جيد هو محاولة” إخفاء استمرار هذا الرفض وإعطاء الرئيس الفرنسي الذي سيكون قريبا في حملة انتخابية ما يقتات عليه”.

وأشار إلى أنه “على عكس العديد من الدول التي اعترفت بالجرائم التي ارتكبت خلال تاريخها الاستعماري مثل ألمانيا وبريطانيا العظمى وبلجيكا فضلا عن الولايات المتحدة ونيوزيلندا وأستراليا وكندا التي اعترفت أيضا بالخطأ الصارخ التي ارتكبتها في حق السكان الأصليين، فإن فرنسا تتميز بهذا الجبن غير المقبول تجاه الضحايا وأحفادهم سواء كانوا جزائريين أو فرنسيين”.

وتابع: “يعد ذلك من غير المقبول لكل هؤلاء وكل من تجندوا في فرنسا لعقود أحيانا للتعريف والاعتراف بهذه الجرائم التي أنكرت منذ فترة طويلة “وعليه فان “استمرار تمييز الذاكرة والاستذكار التاريخي” الذي يضرب ورثة هجرة الاستعمار وما بعد الاستعمار الذين لم يؤخذ تاريخهم الفريد في الاعتبار أو لم يؤخذ في الاعتبار إلا قليلا “.

واعتبر هذا الأكاديمي الحاصل على درجة الماجستير في التاريخ وشهادة الدراسات العليا في العلوم السياسية والفلسفة أن هذا “ينطبق على الكتب المدرسية والتدريس وكذلك على المبادرات العامة الوطنية، وكدليل أخيرا عدم وجود متحف مخصص للتاريخ الاستعماري السداسي”.

حقيقة الماضي الاستعماري..

ومن جانبه اعتبر الباحث في التاريخ جيل مانسيرون أن ردة فعل فرنسا الرسمية التي ترفض إبداء أي ندم وتقديم أي اعتذار للجزائر عقب تسليم تقرير المؤرخ بن جامين ستورا أمرا “مقلقا”، وتعقيبا على تغريدة رئاسة الجمهورية الفرنسية مباشرة بعد تسليم تقرير ستورا التي تمت الإشارة من خلالها إلى “لفتات رمزية” دون إبداء ندم أو تقديم الاعتذار وصف مانسيرون ردة الفعل هذه بـ”المقلقة”.

وقال المؤرخ المختص في الاستعمار الفرنسي، في حديث لوكالة الأنباء الجزائرية – يوم الاثنين 25 جانفي – إن “هذه التغريدة لا تفسح المجال إلا لتناول جزئي للتقرير مع تصريحات تعطي ضمانات للمحنّين للاستعمار”، مؤكدا أن الأمر يتطلب متابعة عن كثب لأن الأهم ليس التقرير بل ما سيستخلصه الرئيس (ماكرون)، وذكر في ذات السياق أن شعار رفض إبداء الندم سبق استعماله في فرنسا لاسيما مع نيكولا ساركوزي ومن كانوا يدعمون رئاسته كوسيلة لرفض الاعتراف بجرائم الاستعمار وقول الحقيقة حولها”.

وبعد الإشارة إلى أن “جميع المؤرخين تقريبا في فرنسا والجزائر يطالبون بالاعتراف وكشف الحقيقة” أوضح الباحث أن هؤلاء يستبعدون تعبير “الندم” الذي يعتبر سلاحا في أيدي المناهضين للاعتراف وقول الحقيقة”.

يجب نشر فكرة الاعتراف..

واسترسل قائلا: “بخصوص فكرة تقديم الاعتذار باسم مؤسسات فرنسا على ما ارتكبته في الماضي، فإن الأمر يبدو لي مختلفا، إذ أعتقد أن فرنسا الرسمية سيأتي عليها وقت لتقدم الاعتذار غير أن الأهم اليوم هو العمل على نشر فكرة الاعتراف والحقيقة في أوساط الرأي العام”.

وفيما يتعلق بالتعذيب الذي تمت ممارسته خلال الحقبة الاستعمارية ضد الجزائريين، ذكر المؤرخ بأن “ايمانويل ماكرون أدلى بتصريح هام في سبتمبر 2018 عندما قام بزيارة إلى أرملة موريس أودان، الذي تم تعذيبه وقتله من طرف جنود فرنسيين، حين طلب منها العفو باسم فرنسا.

وأضاف أنه أكد آنذاك أن “ممارسة التعذيب المتبوع بالقتل العمدي كانت آلية إبان تلك الفترة لكنه توقف هنا..”، معتبرا أنه “كان عليه تقديم الاعتذار ذاته باسم فرنسا إلى مليكة بومنجل، أرملة علي بومنجل التي توفيت للأسف منذ فترة قصيرة دون سماعها لذلك كما تقول ابنة أخيه اليوم فضيلة شيتور بومنجل”.

وحسب المؤرخ “فإن الكثير ينتظر فرنسا الرسمية تجاه الضحايا المعروفين وغير المعروفين الذين يسعى الموقع “1000 آخرون” (1000autres.org) لنفض غبار النسيان عليهم”.

وفي ذات السياق أوضح مانسيرون أن ما يبرر إثارة قضية بومنجل في فرنسا هو أنه كان محاميا ورجل قانون بارز وتلميذ أستاذ القانون الشهير رينيه كابيتانت الذي كان وزيرا للجنرال ديغول بحيث أنه ترك التعليم للتنديد باغتيال علي بومنجل.

كما أبرز المؤرخ بأن “شخصيات جزائرية أخرى تعرضت للتعذيب والقتل على غرار رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، العربي التبسي، “الذي أثار مع بداية ثلاثينيات القرن الماضي حماسة الجزائريين بتصريحاته لصالح جزائر متحررة من نير الاستعمار حيث يكون لكل سكانها مكانا أيا كانت أصولهم وديانتهم”.

وذكر مانسيرون أن “مظليين فرنسيين اختطفوا العربي التبسي من منزله بالجزائر العاصمة يوم 4 أفريل 1957 ومنذ ذلك لم يظهر عليه أي خبر” معتبرا أن “عائلة هذه الشخصية المسلمة يجب أن يقدم لها هي أيضا اعتذار من فرنسا”.

سبب الانسداد في مسالة الأرشيف..

وبشأن مسألة رفع سر الدفاع عن الأرشيف، أشار مانسيرون إلى وجود قوى داخل الجيش الفرنسي وراء “الانسداد” في هذه القضية موضحا أن العديد من المؤرخين والمختصين في الأرشيف والقانون يخوضون اليوم معركة حقيقية ضد أولئك الذين يريدون منع إتاحة الاطلاع الحر على الأرشيف، المنصوص عليها في القانون بحجة عملية معقدة لرفع السرية عن الأرشيف وثيقة بوثيقة من قبل الهيئات التي أصدرتها، أي الجيش في أغلب الأحيان.

وقال في هذا الصدد “لازالت إلى يومنا هذا قوى في الجيش الفرنسي تعارض الاعتراف وكشف الحقيقة حول هذه الصفحة من ماضينا.. ومن هنا يأتي الانسداد”.. “غير أن هناك قوى أخرى في المجتمع الفرنسي تطالب بالاعتراف وبالحقيقة حول هذه الصفحة من تاريخنا”، يضيف الباحث، معربا عن أمله في انتصار هذه القوى عاجلا أم آجلا.

وخلص إلى أن “المطالبة بالاعتراف وبالحقيقة حول الكفاح من أجل الاستقلال الوطني التي تتعالى حاليا في المجتمع الجزائري تندرج في سياق النضال الذي يخوضه جزء من المجتمع الفرنسي”.

الأرشيف و”ازدواجية” فرنسا..

وفيما يخص هذا الجانب المتعلق بالأرشيف المصنف على أنه سر- دفاع، اعتبر الخبير السيسي أوليفيي لو كور غراندميزون أنه في “هذه النقطة الحاسمة، بما أنها تندرج في إطار حرية البحث والحقوق الديمقراطية الأساسية، فإن الرئيس ماكرون يظهر ازدواجية ملحوظة”.

“فمن ناحية، يدعي ماكرون تشجيع فتح الأرشيف لأكبر عدد ممكن من الناس، ومن ناحية أخرى، ولإرضاء التسلسل الهرمي العسكري والناخبين الأكثر تحفظا، فهو يدافع عن الإجراءات المخالفة لقانون 15 جويلية 2008، المتعلقة بإتاحة الأرشيف والآجال الخاصة باطلاع العامة عليه”، يضيف لو كور غراندميزون متأسفا.

وبهذا الشأن، اعتبر أن “هذه الإجراءات تجعل من المستحيل، أو في غاية الصعوبة على أية حال، إبلاغ بعض الوثائق المصنفة (سر- دفاع)”، وهو ما يفسر، على حد قوله “لجوء عدة جمعيات مهمة وباحثين وأساتذة إلى مجلس الدولة، بتاريخ 15 جانفي 2021، لاسيما جمعية جوزيت وموريس أودان”.

الأيام الجزائرية: التحرير

شاهد أيضاً

اعترافات مجرب حب

الروائية «ناهد بوخالفة» تضع الضمير الاستعماري أمام حقيقته البشعة

في روايتها الجديدة – «اعترافات مجرم حب» الصادرة حديثا في 160 صفحة ـ عن دار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *